حسين عطوان*: تعقيب على مقال الاستاذ حاتم جورج حاتم الموسوم “استقرار سعر الدينار العراقي مقابل الدولار” هل هو حقاً ضرورة تنموية.

أولاً/ استقرار سعر صرف الدينار يحقق الاستقرار السعري في الاقتصاد العراقي. يُعدُّ تحقيق الاستقرار السعري بوابةً للنمو الاقتصادي. وقد دأبت البنوك المركزية على اتخاذ الاستقرار السعري هدفاً أساسياً تسعى إليه […]

أولاً/ استقرار سعر صرف الدينار يحقق الاستقرار السعري في الاقتصاد العراقي.

يُعدُّ تحقيق الاستقرار السعري بوابةً للنمو الاقتصادي. وقد دأبت البنوك المركزية على اتخاذ الاستقرار السعري هدفاً أساسياً تسعى إليه من خلال السياسة النقدية بأدواتها المختلفة لتوفير بيئة مؤاتية للنمو الاقتصادي، وهذا ما وفرته السياسة النقدية نسبياً في العراق، إلا أنَّ السياسة المالية غير المنضبطة فضلاً عن عدم التنسيق بين السياستين كانا السببين الأساسين في إعاقة عجلة النمو الاقتصادي في العراق، إذ ولدت هيكلية الموازنة العامة للبلد طيلة السنوات الماضية والتي تغلب عليها النزعة الاستهلاكية بدلاً من الاستثمارية ، توسعاً كبيراً في الطلب الكلي الأمر الذي أوصل  الاقتصاد العراقي إلى نقطة محدودية الطاقات المتاحة لإنتاج السلع والخدمات بشقيها القابلة و غير القابلة للمتاجرة، وبالتالي تحولت الموازنة العامة إلى مصدر لتوليد الاختلالات السعرية  في مفاصل الاقتصاد العراقي كافة.

ان التزام السياسة النقدية بإستقرار سعر صرف الدينار العراقي لتحقيق الاستقرار السعري نابعٌ من أنَّ درجة انتقال أثر أسعار الصرف Exchange Rate Pass-Through إلى الأسعار المحلية يعتمد على عوامل إقتصادية (كلية وجزئية). وهذا يعني أنَّ درجة انتقال الأثر يختلف مقدارها باختلاف ظروف الدول واختلاف قطاعاتها الاقتصادية.

وَرَدَ في أصل المقال ” أن استقرار سعر الدينار مقابل الدولار لا يضمن الاستقرار السعري في الاقتصاد العراقي. ابتداء فإن استقرار سعر الدينار مقابل أي عملة أجنبية أخرى لا يعني سوى استقرار المُعامل الذي تحوّل بموجبه إلى العملة المحلية أسعار السلع المستوردة من البلد الاجنبي المعني. وهذا يعني ان استقرار هذا المعامل لا يحول دون استيراد التغيرات السعرية التي تحدث في البلدان الاخرى.”

ويمكن القول بهذا الصدد أنَّ ارتفاع مستويات التضخم (التغيرات السعرية التي تحدث في البلدان الأُخرى) هو عامل واحد من عدة عوامل أُخرى تؤثر في درجة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار المحلية. فهناك المرونة السعرية للعرض والطلب والتي تؤثر في درجة انتقال أثر سعر الصرف إلى الاسعار المحلية، إذ أنَّ انخفاض مرونة الطلب المحلي بالنسبة للتدفقات المدينة يرفع من درجة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار المحلية. والعامل الآخر هو حصة السلع والخدمات المستوردة في سلة الاستهلاك الرئيسة معبراً عنها بالـ(CPI)، فكلما كانت هذه الحصة مرتفعة ارتفعت درجة انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار المحلية. والعاملان آنفا الذكر حاضران في الاقتصاد العراقي.

فضلاً عن ذلك، هناك العوامل الجزئية، مثل الستراتيجية المعتمدة من قبل الشركة المُصَّدرة. فقد تكون الحصة السوقية أولوية أهدافها ولو على حساب الهامش الربحي، كذلك قيام الشركة بعمليات  تحويل الانتاج، أي الانتقال من شراء المواد الأولية من السوق المحلي إلى استيرادها من الخارج بالاعتماد على أسعار تلك المدخلات.

كل ما سبق يعني أن مستويات التضخم (التغيرات السعرية التي تحدث في البلدان الاخرى) ليست العامل الوحيد المؤثر في درجة انتقال أثر سعر الصرف إلى أسعار السلع والخدمات المحلية، فضلاً عن ارتباط هذا العامل بالبيئة التضخمية للبلد المُصَّدر والاستقرار النسبي لسياسته النقدية. فإذا نجحت الأخيرة باستهداف مستويات تضخم معينة فإنَّ ذلك لن يحفز المنتجين (المّصَّدرين)على زيادة أسعارهم نتيجة لارتفاع الكلفة لديهم ما داموا مقتنعين بأنَّ السياسة النقدية قادرة على المحافظة على استقرار الأسعار[1].

أما فيما يخص السلع غير القابلة للمتاجرة وتأثيرها في صياغة الاستقرار السعري كما ورد في أصل المقال، فيمكن القول أنَّ ثمة مفارقة في الاقتصاد العراقي، حيث أصبح العراق يستورد وبشكل كبير الخدمات والمهارات والمتطلبات الخدمية مثل( اتساع الخدمات الطبية الخارجية التي كانت متوافرة محلياً، وخدمات الشركات الأمنية وشراء السكن خارج العراق، وقيام شركات أجنبية بتنفيذ مشاريع اسكان وجلب مستلزمات العمل والبناء، فضلاً عن لوازم البنية التحتية وأساسياتها ومتطلباتها وكثير من المهارات ). كل هذه الخدمات والمتطلبات تعد جزء كبير من السلع والخدمات غير القابلة للمتاجرة لكن في العراق تحولت إلى سلع وخدمات قابلة للمتاجرة يتم إشباع الطلب الكلي عليها عبر الاستيراد الكثيف[2]، وبالتالي فإنَّها اخذت تخضع لقانون السعر الواحد. هذا الأمر وَلَّدَ ضغوطاً تضخمية وشكل قيداً على الاستقرار السعري في العراق ناجم عن نمو الانفاق الحكومي، وعلى الخصوص شقه التشغيلي في الموازنة العامة، فضلاً عن الانخفاض الشديد في إنتاج السلع  والخدمات غير القابلة للمتاجرة القادرة على منافسة مثيلاتها من الاستيرادات، الأمر الذي يتطلب التدخل في سوق الصرف باستمرار للحفاظ على استقرار الأسعار.

كل ذلك يعني أنَّ قناعة وإيمان المؤسسة النقدية في العراق ممثلة بالبنك المركزي بأنَّ استقرار سعر صرف الدينار- في ظل نظام مالي يفتقر بشدة للعمق Demonetizing   and  financial depth lack of  وارتفاع السيولة المصرفية وأسعار الفائدة الموجهة إدارياً تكون القنوات المعتادة لانتقال اثر السياسة النقدية إلى القطاع الحقيقي غير فاعلة إلى حد كبير. بالتالي، فإن الأداة الأساسية المتاحة أمام المركزي العراقي هي التدخل في سوق الصرف الاجنبي، إذ ان سعر الصرف الثابت عاد بالفائدة على الاقتصاد العراقي[3] –  يؤمن استقراراً سعرياً نسبياً في الاقتصاد العراقي، وهذا ما تحقق طيلة السنوات الماضية.  الأمر الذي وَلَدَ مناخاً ملائماً للنمو الاقتصادي، إلا أنَّ عدم انضباط السياسة المالية فضلاً عن عدم الاستقرار الأمني والسياسي حال دون الوصول إلى الهدف التنموي.

ثانياً/ مناقشة الأهداف المتوخاة من تخفيض سعر صرف الدينار.

1-  إذا كان الهدف من تخفيض سعر صرف الدينار( من خلال قيام المركزي العراقي بزيادة سعر شراء الدولار من وزارة المالية ) هو سد جزء من عجز الموازنة العامة فإنَّه لا يغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من العجز في الموازنة وقد تكون هذه التغطية أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة[4] . وهذا التخفيض في سعر الصرف سينعكس بصورةٍ مباشرةٍ في إرتفاع المستوى العام للأسعار.

2-  إذا كان الهدف من تخفيض سعر الصرف (من خلال قيام المركزي العراقي بزيادة سعر شراء الدولار من وزارة المالية، والتخلي أو تقليل الدفاع عن المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار ) هو تحفيز النشاط الزراعي والصناعي للتصدير أو إحلال الواردات، فيمكن القول بهذا الصدد أن تخفيض سعر الصرف هو النائب المالي (Fiscal proxy) للتعرفة الجمركية، والجانب الايجابي في تخفيض سعر الصرف هو عدم تميزه بين طالب العملة لغرض الاستهلاك وطالبها لغرض الاستثمار في الخارج، إلا أنَّ تخفيض سعر الصرف لا يميز بين الأنشطة الاقتصادية التي يُراد دعمها من قبل الحكومة عبر تعرفة جمركية و الأنشطة الأخرى التي لا تريد الحكومة دعمها. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإذا كان تخفيض سعر الصرف يهدف إلى تحفيز النشاط الزراعي والصناعي للتصدير، فيجب أنْ نعلم بأنَّ مساهمتهما المتوقعة ضئيلة. كما أنَّ مشكلة الصادرات أو إحلال الاستيرادات في معظمها ليست تنافسية يخلقها سعر صرف منخفض – وحتى ان بالغنا في التخفيض فنحن نعمل مع شركاء تجاريين لديهم تخفيضات غير متناهية بسعر الصرف- بل في:

أ‌-       سوء الإدارة المالية للقطاع الخاص بشقيه (الزراعي والصناعي).

ب‌-      الإنفاق الحكومي غير المنضبط فضلاً عن تغليب الشق الاستهلاكي منه على الاستثماري وعدم تنفيذ الأخير بصورة كاملة طيلة السنوات الماضية.

ت‌-      أزمة تكاليف بسبب الطاقة والأمن.

ث‌-      انعدام الضريبة الكمركية اللاجمة والمحفزة.

كل ذلك يجعل الاتكاء على تخفيض سعر الصرف كالمستجير من الرمضاءِ بالنارِ، لأنَّه سيؤثر في مستوى الرفاهية المتواضع أصلاً لشريحة الدخول الثابتة، في الوقت الذي لا تستطيع الحكومة القيام بتحويلات لمتضرري التخفيض من الفقراء، وبالتالي فهذا الهدف إذا ما قورن بتأثيراته المحتمله والمجربة يتضاءل، لذا فان خفض الصرف للعملة الوطنية مشابه للعلاج الكيماوي يتم اللجوء إليه في آخر الخيارات لا في مقدمتها كونه سهل التنفيذ[5] .

3-   إذا كان وراء هدف التخفيض الاحتفاظ النسبي بالاحتياطيات الأجنبية وعدم استنزافها من خلال سياسة تقشفية عبر سعر الصرف المنخفض، فسيكون لذلك تأثيرات أليمة وقاسية على مستوى المعيشة المقومة بالدينار العراقي المدافع عنه بالاحتياطيات الأجنبية. وسواء تم التخفيض أم لم يتم فان الاحتياطيات تتناقص طالما يدار العراق بسياسة مالية غير منضبطة.

باعتقادي البسيط أنَّ استخدام التخفيض في الوقت القريب غير مؤثر دون الأدوات الأخرى والسياسات الأخرى وأنَّ هدف الحفاظ على قوة الدخل فضلاً عن استهداف التضخم يتقدم على الاهداف الأخرى.

إنَّ تحميل السياسة النقدية أعباء غياب سياسة ضريبية وتجارية، وفساد مستشرٍ، وسياسة مالية غير منضبطة لسنوات أمر ليس بالمنطقي ولا بالمعقول.

كل ما سبق لا يعني قدسية المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار العراقي إلا أنَّ استقرار سعر صرف الدينار ضرورة ماسّة على أقل تقدير لحين تهيئة الظروف والإجراءات اللازمة لغرض التخفيض ومن أهمها (تعرفة كمركية كابحة لبعض الاستيرادات غير الضرورية، وسياسة ضريبية فعالة، ووضع اطار لضبط الانفاق العام سياسة مالية يستجيب لظرف العراق المالي. أما التحجج بعدم قدرة الدولة على خفض عجز الموازنة وتحفيز الإنتاج الوطني وإنفاذ القانون، لا سيما تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية والسيطرة على المنافذ الحدودية وضبط فوضى الإنفاق الحكومي الجاري ومكافحة الفساد المستشرِ، فيمكن القول ” اليس فرض الضرائب ومسك الحدود واجبات بدائية لأي دولة، فماذا إذا تعرضت لأزمة ، آليس درء المفاسد يتقدم ؟ ، كما أنَّ فقدان السيطرة الكاملة على زيادة الايرادات العامة بسبب تأثيرانخفاض  أسعار النفط ، لا يعدم امكانية زيادتها كما سيلاحظ، كذلك يستدعي الضغط على النفقات العامة إلى أقصى ما يمكن”[6] (للمزيد من التفاصيل بهذا الصدد راجع مقال الاستاذ الدكتور محمود داغر تحت عنوان “حلول سهلة أم بناء دولة” المنشور في شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ 17/2/2016).

(*) باحث اقتصادي – البنك المركزي العراقي            

 

حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بأعادة النشر بشرط الاشارة الى الصدر. 23 نيسان 2016

http://iraqieconomists.net/ar/

 

 

 

الهوامش

[1]) Lian An. (2006). “Exchange Rate Pass-Through: Evidence Based on Vector Auto recession With Sing Restrictions” Munich Personal Repec Archive(MPRA), No.527, pp2-8.

([2] صالح، مظهر محمد. (2012). “الطاقة الاستيعابية للنفقات التشغيلية ومرونة الكلفة المالية للسياسة النقدية” مجلة العلوم الاقتصادية والادارية، المجلد 18 العدد 65 : ص3.

([3] داغر، محمود محمد محمود. ومعارج، حسين عطوان مهوس. (2016). “سعر صرف الدينار العراقي ما بين النظام الواقعي والنظام المعلن للمدة (2004-2012)” ، البنك المركزي العراقي ، ص 16.

https://www.cbi.iq/documents/mahmoud%20and%20hussein.pdf .

بالاعتماد على صندوق النقد الدولي. (2013). تقرير الخبراء حول مشاورات المادة الرابعة لعام 2013 مع العراق، http://www.imf.org/external/arabic/pubs/ft/scr/2013/cr.

[4]) يُنظر: عطوان، حسين. (31/1/2016). ” تغطية عجز موازنة 2016 من خلال تخفيض سعر صرف الدينار العراقي: التداعيات والآثار ” ، مقال منشور في شبكة الاقتصاديين العراقيين.

([5] داغر، محمود.(17/2/2016). “حلول سهلة أم بناء دولة” ، مقال منشور في شبكة الاقتصاديين العراقيين.

( [6] داغر، محمود .(17/2/2016). “حلول سهلة أم بناء دولة” ، مصدر سبق ذكره.

 

لتنزيل المقال كملف بي دي أف سهل الطباعة انقر على الرابط التالي

Hussain Atwan-Comments on the paper of Mr. Hatim G. Hatim regarding the stability of the Iraqi Dinar-final

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Hussain Atwan image

حسين عطوان مهوس*: تعقيب على مقال الاستاذ حاتم جورج حاتم الموسوم بـ (قياس تأثير تغيير سعر صرف الدينار تجاه الدولار على الفجوة بين المجموع العام لإيرادات الموازنة العامة العراقية والمجموع العام لنفقاتها – معالجة رياضية)**

Hussain Atwan image

حسين عطوان مهوس* بلال قاسم محمد**: تعقيب على مقال د. عامر العضاض الموسوم “تحليل ونقد السياسة النقدية في العراق”.

Hussain Atwan image

حسين عطوان مهوس *: تقلص فجوة سعر صرف الدينار بين سوقيه الرسمي والموازي في الماضي والحاضر: استقرارٌ أكبر بمبيعاتٍ أقل **

حسيــن عطــوان

حسيــن عطــوان *: سعر صرف الدينار العراقي ما بين تارجح أسعار النفط العالمية والضغط على الاحتياطيات الدولية.

Hussain Atwan image

حسين عطوان *: تغطية عجز موازنة 2016 من خلال تخفيض سعر صرف الدينار العراقي: التداعيات والآثار

حسين عطوان

عن حسين عطوان

باحث اقتصادي موظف في البنك المركزي العراقي انقر على الصورة للاطلاع على الاعمال الأخرى للكاتب