أ. د. عبد الحسين العنبكي*: جدلية سعر صرف الدينار العراقي

منذ عشر سنوات وأنا شخصيا اعتقد ان السياسة النقدية الانكماشية غير متوافقة مع السياسة المالية التوسعية، وقد كتبت الكثير من البحوث والمقالات في ذلك، كما كنت اكتب حول سعر الصرف […]

منذ عشر سنوات وأنا شخصيا اعتقد ان السياسة النقدية الانكماشية غير متوافقة مع السياسة المالية التوسعية، وقد كتبت الكثير من البحوث والمقالات في ذلك، كما كنت اكتب حول سعر الصرف المغالى فيه للدينار وكيف انه قد ساهم بشكل فاعل في تدمير القاعدة الإنتاجية في العراق وخلق ضغوط انكماشية كبيرة. وهذا ليس اجتهاد مني وإنما النظريات الاقتصادية هي من تقول ذلك، فهو من زاوية مارس حماية للمنتج الأجنبي، ومن زاوية أخرى جعل ممارسة المصارف التجارية لوظائفها الكلاسيكية في الإقراض وخلق الائتمان غير مجدي أمام الأرباح الكبيرة التي تحققها تلك المصارف جراء المتاجرة بالعملة (الدولار) لمجرد دخولها المزاد.  وبقصد التنويه أود ان أبين أني لم أطالب بتعويم الدينار، كما فعلت مصر مع الجنيه مؤخرا، لأني اعي تماما بعض الكلف الاجتماعية المحتملة، ولكن طالبت منذ سنين وفي فترات رخاء فيها موازنات عامة متخمة بالتدرج في رفع قيمة الدولار مقابل الدينار، أي تخفيض قيمة الدينار لان الدولار الرخيص مشجع للمستورد وطارد للمنتج المحلي.  وكان بعض الاقتصاديين، من بينهم اخي وزميلي الدكتور مظهر محمد صالح، ضد هذا التوجه عندما كان مستشاراً لمحافظ البنك المركزي ومن ثم نائباً له وحتى أخيرا عند عمله في مكتب رئيس الوزراء بعقد استشاري، الذي التمس له كل الأعذار لرأيه العلمي كما هي أراء الآخرين من المختصين فهي محترمة دون أدنى شك ، وان كنت قد استغربت كثيرا مقاله الأخير الذي نشر في عدة مواقع والذي لم يكن موفقا لا في بعده العلمي ولا من حيث الأسلوب اذ تحامل على الدعاة لتخفيض قيمة الدينار ووصفهم بالخيانة وبأنهم ثلة من الاقتصاديين الداعمين للإرهاب وبأنهم أصحاب الدولارات ، وهو كلام لا يتسق مع أي منهج علمي، فضلا عن انه لم يعد خافيا ان كل شخص في العراق صار تاريخه معروفاً ومفتضحاً بفضل مواقع التواصل الاجتماعي.  وعليه أرى ان نتوقف عن المزايدات والاتهامات ونضع مصلحة البلد أولا ونفكر كرجال دولة في إيجاد حل لمشكلة مزاد العملة وسعر الصرف.

 

إن أزمات العالم إخوتي كانت في الغالب أزمات انكماش (معدلات بطالة عالية) وليست أزمات تضخم لان التضخم يحمل معه معدلات تشغيل أكبر وبالتبعية دخول موزعة على عناصر الإنتاج بشكل أكبر، نعم تتآكل قوتها الشرائية بفعل التضخم اكيد، ولكن معدل التآكل يتناسب طرديا ومعدل الزيادة الحاصلة في الدخول فلا يسبب فزعاً ولا ثورةً ولا انهيارات كما يحصل عندما تضرب الاقتصاد موجة انكماش.  ولأننا شعب فتي بمعدل نمو سكاني 3% ولدينا أكثر من مليون شاب سنويا يدخلون سوق العمل، وهو رقم مخيف قياسا بفرص العمل المتاحة التي لا تتجاوز ربع مليون فرصة عمل، فإن غضب الشباب المتراكم جراء البطالة ودوامة اليأس وفقدان الأمل قد يخلق قنبلة موقوتة من الممكن ان تلتهم أي شرارة عابرة وما أكثرها لتحرق الأخضر واليابس، بالتأكيد ستكون أخطر بكثير من موجات ارتفاع الأسعار المحمودة اقتصاديا وغير المحمودة اجتماعيا.  ولكن الإجراء الاقتصادي المحمود بإمكانه معالجة الأعباء الاجتماعية مع الوقت لأنه سيخلق تشغيلاً، أما الإجراء الاجتماعي المحمود فلن يكون بمقدوره مطلقا ان يخرجنا من التدهور الاقتصادي، وإنما سيجرنا مع الوقت الى مزيد من الاسترخاء ومزيد من الاعتماد على كل ما هو مستورد ومزيد من الجهل بالحرف والمهن والإنتاج بعد مضي فترة الانقطاع بين الأجيال جراء توقف قاعدتنا الإنتاجية وانقطاع النسق التكنولوجي الموروث وانحراف التكنولوجيا المستوردة نحو الاستهلاك الترفي وليس الإنتاج، عندها ستكون الأمة العراقية (امة تنابل) في خطر شديد تعتاش على هبة السماء (النفط) وهو للأسف خاضع لمتغيرات خارجية وبريقه زائل، فإذا أردنا وظائف لأبنائنا في القطاع الخاص علينا ان نخفض قيمة الدينار مقابل الدولار، فما قيمة وضع تعرفة كمركية لحماية المنتج المحلي، أي ممارسة سياسة ضريبية (جزء من السياسة المالية) حمائية من جهة، وجعل الدولار رخيصاً امام الدينار (سياسة نقدية عكس الحمائية) بل هي لحماية المستورد من جهة أخرى، أي ان الأثرين للسياستين متناقضين، اي ان الإجراءين (الحمائي واللاحمائي) سوف يأكل كل منهما اثر الأخر وكأنما ندور في حلقة مفرغة ولم نفعل شيئاً ، اي ان سعر الصرف المغالى فيه ابتلع هامش الحماية الذي وفرته التعرفة الكمركية فبقي المنتج المحلي مطروداً من السوق وبقيت القطاعات الإنتاجية معطلة ونستورد كل شيء وأولادنا بلا عمل.

 

المعارضين يعتقدون ان ارتفاع سعر صرف الدولار سيجعل المستورد غالي الثمن يحمل معه معدلات تضخم أعلى، والحقيقة اني لا أنكر ذلك الأثر في الأمد القصير الا انه سرعان ما يزول تدريجيا في الأمد المتوسط والطويل، بل ان الأثر المحمود المرتقب هو ارتفاع اسعار المستورد وما لم ترتفع تلك الأسعار يكون تخفيض قيمة الدينار دون جدوى، ودون معنى، ولا يحقق الهدف.  الهدف ان نجعل المستورد غالي الثمن كي يتجه الطلب المحلي نحو المنتج المحلي فيحصل الإنتاج وتدور دواليب المكائن ويتم تشغيل العمالة وتوزع دخول أكثر لعوامل الانتاج، وعندما تصبح الزيادة في الدخول الموزعة لعناصر الإنتاج نتيجة التشغيل مدفوعة بارتفاع الطلب على منتجاتها أكبر من الانخفاض الحاصل في الوهلة الأولى في القوة الشرائية للأفراد نتيجة ارتفاع أسعار المستورد من السلع والخدمات، فإن الأثر الايجابي لتخفيض قيمة الدينار يكون قد بدأ فعلا.  وهذا قد يستوجب فترة (تفريخ) قد تمتد من 6 أشهر الى سنة في اغلب الأنشطة الإنتاجية، حيث ان طول الفترة المطلوبة للتكيف يعتمد على درجة مرونة القطاع الإنتاجي ودرجة استجابة العرض المحلي للطلب المحلي المتجه إليه.  وحيث ان خطوط الإنتاج في الغالب متوفرة الا انها متوقفة عن العمل نتيجة السياسة الاقتصادية الداعمة للمستورد منذ سنوات فإن الطاقات الانتاجية المتاحة تعجل من الاستجابة وتقلص فترة التكيف (التفريخ) وبالتبعية تقلص فترة العبء الاجتماعي المحتمل، حيث ان هنالك أكثر من 70 ألف معمل متوقف في بغداد فقط، فإن من السهولة بمكان إذا ما توفر الطلب على انتاج هذه المعامل ان تعاود فتح أبوابها وممارسة إنتاجها وتعيد تشغيل عمالها بعد ان يرتفع سعر المستورد وتصبح منتجاتنا المحلية منافسة.

 

مصر خير مثال، فرغم ان هشاشة اقتصادها تفوق ما لدينا، ومستوى دخول الناس منخفضة جدا، فقد تم تعويم الجنيه، حيث ارتفع سعر الدولار من 1 دولار = 700 جنيه، الى 1 دولار = 2000 جنيه خلال سنتين، وقد ترتب عليه تراجع القوة الشرائية للأفراد بحدود 40% الا انهم يعلمون ان هذا علاج مُرّ عليهم ان يتحملوه فترة من الزمن كي يشفى الاقتصاد وبشفاء الاقتصاد يشفى المجتمع.  ونحن في العراق كلما أردنا ان نأخذ بهذا الدواء حتى في فترات الرخاء تعالت الأصوات وجعلت الفقراء شماعة للوقوف بوجهه، قد يخفي ذلك مصالح شخصية لا ارغب في التطرق اليها خاصة وان أرباح الحيتان الداخلين الى المزاد يفترض ان لا تتأثر.

 

لقد عبرت مصر الفترة او تكاد ان تعبرها بالكامل تحركت عجلة الانتاج وعاد المستثمرون لمعاملهم طالما ان المواطن المصري لم يعد قادراً على شراء المستورد لارتفاع سعره فتوجه للمنتج المحلي، فتحت المعامل أبوابها واستعادت تشغيل العمال والخريجين وانخفضت البطالة وصار الاقتصاد يمر بمرحلة انتعاش ما زالت في أولها وتتزايد تدريجيا ومؤشرات تحسن الميزان التجاري لمختلف السلع أراقبها دوريا تسير بمعدلات عالية لصالح المنتج المصري.  ونحن ما نزال نتناحر في النقاشات البيزنطية ونلصق التهم جزافا لبعضنا دون ان نخطي خطوة جادة لمراجعة موضوع مزاد العملة.  في فترات الرخاء عارضني بعض الإخوة ومن بينهم عزيزي الدكتور مظهر، كان ذلك في 2008 وفي 2010 وفي 2012 وفي 2013 حيث كانت الموازنات متخمة، وعارضني بنفس الحجة ان الأسعار سترتفع وسيكون لها أثر اجتماعي سلبي.  طيب يا أستاذي الفاضل أنا أصلا أريد لأسعار السلع المستوردة ان ترتفع، والا فإن الهدف لا يتحقق وهو أثر جانبي سيحصل حتما لعلاج أساسي نقوم به، فهل يعقل لمريض السرطان رفض العلاج بالكيمياوي لان شعره سيتساقط.  إخوتي، صدقا لو اننا عملنا بهذا العلاج منذ ذلك الحين لشفي اقتصادنا ولاستعاد شعره الذي تساقط، ولكان بإمكان الحكومة في تلك الفترات ان تزيد تخصيصات الحماية الاجتماعية لمنع الشرائح الهشة من التأثر، بدلا من تخصيصات كبيرة تسمى استثمارية هدرت في تبليط الشوارع المبلطة مرارا وتكرارا وترك الشوارع غير المبلطة، وإزالة الأرصفة العامرة وإعادة رصفها مرارا، من اجل إتاحة الفرص السهلة لنمو حيتان الفساد بغياب الرقيب الجاد وبغض الطرف أحيانا.  ولازال المعارضين لتخفيض سعر صرف الدينار الى اليوم، والاقتصاد في أحوج ما يكون الى الإنقاذ والتشغيل يتحججون بنفس الحجة ويتباكون على الفقراء، بل يشجعون على الذهاب الى الاقتراض الخارجي وإدخال البلد في نفق المديونية المظلم من جديد لكي نستمر بضخ الملايين يوميا في مزاد العملة كي نحافظ على عذرية الدينار من ان تخدش ونحافظ على أرباح رواد المزاد.  عذرية الاقتصاد الكلي صارت مهددة، ومازالوا متشبثين، هنالك مئات المليارات من الدولارات يمكن ان نحصل عليها من اقتصادنا عندما نعتمد حسابات (الكلفة /العائد) لكل أصل من الأصول التي تملكها الدولة، وعندما تتخلى الدولة عن ملكيات أراضي وأصول كبيرة معطلة ومهملة دون عائد، ويمكن ان تحصل منها على مليارات الدولارات إذا ما باعتها او مكنت منها القطاع الخاص وفق أي اسلوب مناسب للخصخصة، ولكنها لم تفعل ذلك الى الان او انها تسير بخطى وئيدة جدا، لأنها منشغلة بالالتفات الى الخارج فقط (عائدات النفط او الاقتراض).  إنهم لا يفهمون وجود بديل.  من يمسك بزمام وزارة المالية يستسهل الاقتراض ويستصعب تحريك عجلة الاقتصاد وتعظيم عوائده او انه يجهلها، وقد تكون هنالك اسباب عاطفية او باراسيكولوجية انا أجهلها، وربما أتجاهلها، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

 

(*)  رئيس منظمة اقتصادنا للتنمية المستدام

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Abdul Hussain Al-Anbaki-image

أ. د. عبد الحسين العنبكي*: مواجهة العشوائيات في العراق: سيادة للقانون.. تمويل للدولة

عبد الحسين العنبكي

أ. د. عبد الحسين العنبكي*: متلازمة تفكك السياسات الاقتصادية الكلية

لماذا لم تطبق التعرفة الكمركية – حوار وتقرير مع المسؤوليين والخبراء

أ.د. عبدالحسين العنبكي:* الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام (4)

Abdul Hussain Al-Anbaki-image

أ.د. عبدالحسين العنبكي:* الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام (3)

لماذا لم تطبق التعرفة الكمركية – حوار وتقرير مع المسؤوليين والخبراء

أ.د. عبدالحسين العنبكي:* الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام (2)

Abdul Hussain Al-Anbaki-image

أ.د. عبدالحسين العنبكي*: الاحتكار الإداري كالاحتكار الاقتصادي … كلاهما حرام

لماذا لم تطبق التعرفة الكمركية – حوار وتقرير مع المسؤوليين والخبراء

أ.د. عبدالحسين العنبكي:* السياسة في العراق .. ملعب خداع لا ملعب إصلاح

لماذا لم تطبق التعرفة الكمركية – حوار وتقرير مع المسؤوليين والخبراء

أ.د.عبدالحسين العنبكي *: علينا أن نكترث اقتصاديا..ونبدأ بحلول سريعة وصارمة

د. عبد الحسين العنبكي

عن د. عبد الحسين العنبكي

مستشار اقتصادي في هيئة المستشارين التابعة للأمانة العامة لمجلس الوزراء رئيس منظمة اقتصادنا http://goo.gl/fFaM5Z