محمد حلو
في كل صباح، تشرق شمس النفط لتُضيء العراق بالدولارات، لكن خلف هذا الوهج، يكمن شبح صامت ينمو في الظل: الدين العام الداخلي، إنه ليس ديناً للحكومات الأجنبية أو المؤسسات الدولية، بل دينٌ على الحكومة العراقية لشعبها وبنوكها، أشبه بسيف ديموقليس المُعلَّق فوق الخزينة العامة …
الدين العام الداخلي ليس مجرد رقم في كشف الحسابات الحكومية، بل هو في جوهره ”شيك مُؤجل الدفع وقَيد على سيادة الأجيال”. وبمعنى آخر هو تحويل التزامات الأجيال القادمة إلى سيولة حالية؛ إنه عقد ضمني تُبرمه الحكومة اليوم لسد نفقاتها التشغيلية والاستهلاكية، وتُحمِّل بموجبه أحفادنا مهمة سداد الفواتير عبر خيارات اقتصادية محدودة ومستقبل مرهون. ببساطة، هو ’سحب على المكشوف’ من ثروة الوطن غير المُستغلة.
منقذ الضرورة أم عادة السوء؟
في قلب الأزمة يكمن الحجم المتضخم للدين الداخلي، الذي تحول من إجراء مؤقت في أوقات الأزمات (كحرب داعش أو انخفاض النفط الحاد) إلى عادة مزمنة في إدارة الموازنة. بالرغم من أن الدين الخارجي قد تراجع نسبياً، إلا أن الدين الداخلي يستمر في النمو. ووفقاً لآخر الأرقام الحكومية المعلنة، فإن إجمالي الدين العام (داخلي وخارجي) لا يزال يشكل عبئاً كبيراً، ويُقدَّر الدين الداخلي عند (91) ترليون دينار، منها (56) تريليون دينار المتراكم لغاية نهاية عام (2022)، والمبالغ المضافة هي (35) تريليون دينار ديون السنوات (2023-2024-2025)، وإن الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه الأرقام لا تشمل كافة الالتزامات المتراكمة وغير المسددة للمقاولين والمستثمرين، والتي تمثل ديناً داخلياً غير مباشر.
وأوضح البنك المركزي العراقي في بيانه المنشور في 19 تشرين الأول، إن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز ٤٣% وتعد هذه النسبة – وفق التصنيف المتعارف عليه دولياً – معتدلاً وضمن الحدود الآمنة ولا تشكل عبئاً على الاقتصاد.
والتركيز هنا لا ينبغي أن يكون على القيمة المطلقة للدين فقط، بل على نسبته مقارنة بقدرة الاقتصاد على السداد، عندما تتجاوز هذه النسبة المستويات الآمنة، فإنها تعيق النمو وتزيد من مخاطر عدم الاستقرار المالي. في العراق، على الرغم من ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بفضل النفط، فإن هيكلية الدين (استخدامه في الإنفاق الجاري لا الاستثماري) تُضعف قدرة الاقتصاد على استيعابه.
الديْن الداخلي العقدة العراقية محمد حلو


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية