دكتور علي مرزا – موازنة 2012: قضايا مالية/اقتصادية ومؤسسية في العراق

لتنزيل البحث كملف بي دي أف انقر هنا مقدمــة وردت في وسائل الأعلام وفي تصريحات رسمية أرقام عن مشروع موازنة 2012. وذُكر أن مجلس الوزراء صادق على المشروع وأُرسل إلى […]

لتنزيل البحث كملف بي دي أف انقر هنا

مقدمــة

وردت في وسائل الأعلام وفي تصريحات رسمية أرقام عن مشروع موازنة 2012. وذُكر أن مجلس الوزراء صادق على المشروع وأُرسل إلى مجلس النواب لمناقشته تمهيدا” لأقراره. وفي الحقيقة فإن تفاصيل مشروع الموازنة غير منشورة بوثائق رسمية متاحة. فهو لا يتوفر في الموقع الإلكتروني لوزارة المالية ولا بين مشاريع القوانين المعروضة للمناقشة في موقع مجلس النواب. لذلك سيتم الأعتماد, في هذا المقال, على ما تيسر من أرقام وجداول وردت في وسائل الإعلام.

أولا”: أرقام الموازنة

ياتي هذه المشروع ليمثل اكبر حجم لموازنة عامة عراقية. إذ ان رقم تخصيصات الإنفاق  فيه تبلغ  117 ترليون دينار ويعادل ذلك 100 مليار دولار. وفي هذا المنعطف من مستوى الأسعار النفطية هناك شعور بالوفرة المالية حيث بلغ معدل سعر النفط العراقي في الأسبوعين الأولى من 2012 حوالي 105 دولار للبرميل. كما سيتخطى تصدير النفط في 2012 مستواه في 2011. وفي كل الأحوال فإن الشعور بالوفرة أو العجز المالي سيعتمد على ما سيحصل في سوق النفط الدولية وعلى قابلية القطاع النفطي في تصدير الكميات المخططة. ويعرض الجدول (1) تخصيصات نفقات وإيرادات موازنتي 2011 و2012 وعجز الموازنات وتقدير تخميني للأرقام الفعلية لعام 2011.

جدول (1) الموازنة الإتحادية, ترليون دينار

2012

2011

موازنة

فعلي/تخميني

موازنة

117.1

97.9

96.7

النفقــــات

79.9

68.1

66.6

الجارية (تشغيلية)

40.1

34.4

34.4

رواتب العاملين ورواتب تقاعدية

11.6

9.5

9.5

الإعانات والمنح والمنافع الاجتماعية

9.4

8.2

6.9

التعويضات وخدمة الديون الخارجية

4.7

4.9

3.6

تعويضات حرب الكويت

4.7

3.3

3.3

خدمة الديون الخارجية

13.6

12.2

12.2

السلع والخدمات

5.6

3.8

3.8

أخرى وإحتياطي

37.2

29.8

30.1

الاستثماريـة

10.7

7.0

7.0

القطاع النفطي

4.8

3.7

3.7

الكهرباء

13.9

14.9

14.9

الوزارات الأخرى وكردستان

7.9

4.2

4.4

تنمية الأقاليم والمحافظات والبترودولار

102.3

106.1

80.9

الإيـــرادات

94.4

97.0

71.9

النفطية (بما فيها 5% تعويضات)

7.9

9.1

9.1

غير النفطية

– 14.8

8.2

– 15.7

العجز أو الفائض

المصادر: موازنة 2011: الموقع الإلكتروني لوزارة المالية. موازنة 2012: نيوزماتك, http://anm-news.net/index.php/permalink/7608.html. وكذلك مقالات ظهرت في مواقع إلكترونية متعددة. أرقام 2011 فعلية/أولية: جرى تقديرها في ضوء عوائد النفط 2011 الفعلية وإنتاج النفط والغاز والتكرير الفعلية من موقع وزارة النفط العراقية. في ضوئها قدرت التعويضات (5%) والنفقات المتوقعة للبترودولار. البترودولار هي تخصيصات تدفع للمحافظات المنتجة للنفط والغاز والمصفية للنفط بواقع دولار لكل برميل أو لكل 150 م3 من الغاز. يلاحظ في الجدول عند جمع الفقرات عدم المطابقة مع المجموع المبين  بسبب التقريب.

ملاحظة: سعرالصرف يساوي 1,170 دينار للدولار الواحد.

ولعل أول ما يجلب الإنتباه في موازنة 2012 هو حجم الرواتب والمنح والإعانات والمنافع الأجتماعية. إذ تبلغ فقرة تخصيصات رواتب العاملين في الدولة والرواتب التقاعدية حوالي 40.1 ترليون دينار, في حين تبلغ فقرة المنح والإعانات والمنافع الاجتماعية 11.6 ترليون. إن معظم الفقرة الثانية فيما عدا عن بعض الإلتزامات الخارجية وغيرها ضمن “المنح”, هي إعانات ومنافع اجتماعية (بما فيها الحصة التموينية وإعانات منشآت القطاع العام). فإذا أفترضنا أن 75 بالمئة من الفقرة الثانية تمثل إعانات ومنافع اجتماعية فإن مجموع االفقرة الأولى و75% من الثانية يبلغ 48.8 ترليون دينار. ويعادل ذلك 41.7 مليار دولار.[1]

إن هذه الرواتب والإعانات والمنافع الاجتماعية تكاد أن تصيب جميع العوائل العراقية. فلقد بين نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة في مقابلة مع قناة “العراقية” الفضائية  في 16/12/2011 أن عدد الذين يستلمون رواتب من الدولة هو 2.75 مليون وأن عدد المتقاعدين هو 2 مليون وأن من يستلمون إعانات ومنافع إجتماعية يبلغ المليون. أي ان العدد الكلي يبلغ 5.75 مليون شخص. وفي ضوء متوسط عدد أفراد العائلة في العراق الذي يبلغ 6.9 شخص[2] وعدد سكان يقدر بحوالي 34.3 مليون في منتصف 2012 فإن عدد العوائل العراقية يبلغ 5 مليون. ولابد أن جلهم يتصل بشكل أو بآخر بمستلمي الدفعات الحكومية (5.75 مليون شخص). وبالرغم من أحتمال وجود تكرار في أسماء مستلمي الدخل من الدولة (نتيجة الفساد) وتكرر الموظفين أو مستلمي التقاعد والإعانات في نفس العائلة إلا أنه يمكن هذه القول, في ضوء هذه المؤشرات, أن العوائل العراقية  تكاد أن تعتمد جميعها على موازنة الدولة!

ثانيا”: التقلبات الدورية في عوائد النفط والموازنة

إتسمت أسعار النفط في السوق الدولية خلال الأربع عقود الماضية بما يشبه الدورات cycles التي كانت تتراوح صعودا” ونزولا” حول خطوط إتجاهية صاعدة للفترتين 1970-1978 و2000-2011 وخط إتجاهي نازل للفترة 1979-1999.[3] وفي كل دورة ترتفع وتنخفض الأسعار ومعها عوائد النفط. وعندما لا تتخذ الترتيبات اللازمة لتعويض تقلب الأسعار تتعرض تخصيصات نفقات الموازنة إلى تقلب يضر بالعملية التنموية ويؤثر سلبا” بالمناخ الاقتصادي. وبما ان مشروع الموازنة يعد في السنة السابقة للسنة المعنية فإن مستوى أسعار اصادرات النفطية وقت إعداد الموازنة, يؤثر في حجم التخصيصات. ولكن في العراق أستمر حجم تخصيصات الإنفاق بالإرتفاع في موازنات السنتين 2009 و2010, مقارنة مع 2008, بالرغم من الإنخفاض الشديد لأسعار النفط خلال الفترة من تشرين الثاني 2008 إلى نيسان 2009. ويعود ذلك إلى ثلاثة عوامل. الأول هو فائض الموازنة المتجمع منذ 2003 والذي كان يسمح بتمويل معظم العجز خاصة في 2009. والثاني هو صعوبة تخفيض الأنفاق الجاري لأسباب إنتخابية وشعبوية. والثالث هو أن الإنخفاض الكبير في أسعار النفط إنما كان قصيرا” بمدته بمعيار مدد الإنخفاض التاريخية التي حدثت خاصة تلك التي أستمرت من 1981/1982 إلى نهاية تسعينات القرن الماضي.

غير أن التقلب في الإنفاق العام مع تقلب العوائد النفطية سيحدث في العراق إذا طالت فترة إنخفاض أسعار وعوائد النفط وأقترب الفائض المتجمع من النفاد. وعادة ما تكون أول ضحية في تخفيض الإنفاق هي المخصصات الاستثمارية. إذ يصعب الإبتداء بالتخفيض في النفقات الجارية لأسباب تعود لصعوبة تخفيض دخول اغلبية السكان ولأسباب سياسية. إن هذا الأمر ينبغي أن يدفع إلى العناية بمسألة تجنب التقلب المستقبلي في الإنفاق, قدر الأمكان. وبالرغم من وجود ترتيبات أخرى ممكنة لتجنب تقلب أسعار ومن ثم عوائد النفط كإجراءات التحوط hedging في السوق المالية الدولية وكذلك الصناديق المشتركة لأستقرار الأسعار لمجموعات دول منتجة للمواد الأولية فإن التجربة الدولية الشائعة الآن وفي معظم الدول النفطية هي تكوين واستخدام صناديق الاحتياطي النفطي. وهذا هو موضوع الفقرة التالية.

ثالثا”: صندوق الإحتياطي النفطي

 لبيان أهمية وجود حساب أو صندوق تحفظ فيه فوائض الموازنة من المناسب, لغرض الوصف, إجراء مقابلة ومقارنة بين صافي ميزان المدفوعات وصافي الموازنة. ففي ميزان المدفوعات الذي يسجل جميع مقبوضات الدولة من العملة الأجنبية ومدفوعاتها, في سنة معينة, إذا زادت المقبوضات على المدفوعات فإن الفرق (الفائض) يذهب إلى حساب أو صندوق يسمى إحتياطي العملات الأجنبية.  وهذا الحساب يديره البنك المركزي وينشر رصيده سنويا” وهناك قواعد لإدارته واستخدامه. وبما أن معظمه يحفظ كودائع قصيرة الأمد في الخارج فإنه يدر عائدا” ايضا”. النقطة المهمة هنا أن هذا الحساب معروف وله قواعد استخدام ومراقبة وتدقيق. وحين تزداد المدفوعات على المقبوضات من العملة الأجنبية في سنة معينة يلجأ عادة إلى عدة إجراءات لتمويل العجز منها السحب من إحتياطي العملات الأجنبية و/أوالأقتراض الخارجي. أما في حالة الموازنة في العراق فلا يوجد حساب او صندوق واضح المعالم تحفظ فيه فوائض الموازنة. فحينما تزداد الإيرادات الفعلية على النفقات كما حدث خلال الفترة 2004-2008 و2011 فليس هناك صندوق أو حساب مماثل توضع فيه هذه الفوائض وتنشر بيانات حول أرصدته كما في إحتياطي العملات الأجنبية. كل ما نعرفه عن حالة الفوائض المتجمعة هي عبارة “المدور النقدي من موازنة السنة السابقة” التي ترد في قانون الموازنة كل سنة. وبالطبع فإن الفوائض المتجمعة يتم الإحتفاظ بها في حسابات لمصلحة وزارة المالية في البنك المركزي العراقي أو في صندوق تطوير العراق Development Fund of Iraq, DFI. غير أن هذه الحسابات لا ينشر عنها ما يشير إلى حجم الفائض ولا عن طريقة إدارته والتصرف به ولا كيفية متابعته ومسائلة إدارته.

لذلك من المناسب تغيير هذا الواقع. ففي معظم الدول النفطية هناك حساب أو صندوق يذهب اليه فائض الموازنة وتقرر طرق إدارته واستثماراته والجهات الرقابية لمتابعته ومسائلته. وهو يخضع للمراقبة البرلمانية وغير البرلمانية وتنشر أرصدته سنويا” بحيث تُعْرف الإضافة له والسحب منه. ولعل صناديق الاحتياطيات النفطية التي أنتشرت في معظم الدول النفطية خير دليل على أهمية هذا الموضوع. إن ترك الأمر لحسابات غير منشورة لوزارة المالية لا يخدم الشفافية وحسن إدارة الفوائض المتجمعة. ومما يذكر أن وزير المالية ومحافظ البنك المركزي في رسالة النوايا[4] المرسلة إلى المدير العام لصندوق النقد الدولي في 3 آذار 2011 ذكرا النية في إعادة بناء “المخزونات المالية financial buffers” ليحفظ فيها جزء من فائض 2011. غير أن الرسالة لم تحدد ماهية هذه المخزونات وهل في النية جعلها صندوق إحتياطي أو تبقى حسابات لوزارة المالية. ثم من هي الجهة التي ستديرها وتراقبها وتقررآلية الإضافة اليها والسحب منها؟

ومما يذكر ان الدول تختلف في آلية الإضافة والسحب من صناديقها. على سبيل المثال, في النرويج يضاف فائض الموازنة أوتوماتيكيا لصندوق الاحتياطي (صندوق التقاعد الحكومي Government Pension Fund-Global). وفي تشيلي وليبيا يتم التنبؤ بسعر النفط قبل بداية سنة الموازنة ويطلق على السعر المتنبأ به “سعر الإشارة”. وفي نهاية سنة الموازنة يضاف الفرق بين سعر الإشارة والسعر المتحقق إلى الصندوق. وفي الكويت وألاسكا وألبرتا تقتطع نسبة من العوائد أبتداء” وتضاف للصندوق. أما السحب فيختلف تبعا” لأختلاف الأطر المؤسسية, ولكنها جميعا” تستخدم في تمويل عجز الموازنة.[5]

رابعا”: الأفق السنوي والأفق الأبعد

إن غياب منظور اقتصادي/مالي جدي متوسط وبعيد المدى في العراق يثير مسألة مدى استدامة المسار المالي الحالي وأرتفاع إحتمال الوقوع في أزمات مستقبلية دلت عليها التجارب في العراق وفي غيره من البلدان النفطية. إن الاقتصار على المنظور السنوي في وضع الموازنة وبالذات للنفقات الاستثمارية وعدم الأهتمام بالإستدامة بعيدة المدى للإيرادات النفطية هي حالة جلية من حالات غياب التخطيط السليم.

لقد أصبح إعداد موازنة متوسطة/بعيدة المدى مسألة ضرورية لتأمين تجنب الأزمات المستقبلية. حيث تنظم في هذه الموازنة النفقات الجارية والاستثمارية من ناحية والموارد المطلوبة من ناحية أخرى, بمنظور مستقبلي مناسب, بحيث يمكن تمهيد تقلب النفقات بالتناغم مع صعود وإنخفاض عوائد النفط. ولقد أخذت مختلف الدول خاصة النفطية بإتباع هذا التمرين. لقد ادركت السلطات المالية/النقدية في العراق هذا الأمر ووعدت بإتباعه في “رسالة النوايا” المشار أليها أعلاه. غير أن ما قد يعرقل التطبيق في العراق الآن يمكن إجماله بما يلي:

  • غياب ما يشير إلى وجود نظرة متوسطة/بعيدة المدى لدى وزارة المالية.

  • إن خطة التنمية الوطنية 2010-2014 الصادرة عن وزارة التخطيط لا تحتوي على معايير ومؤشرات عملية مفيدة لتنظيم النفقات الجارية ولا الاستثمارية للمدى المتوسط. فمن ناحية النفقات الاستثمارية تحتوي الخطة على مبلغ إجمالي (ومبالغ قطاعية) للنفقات الاستثمارية لفترة الخطة وليس هناك قائمة مشاريع (وكلفها وتوقيتاتها) في الخطة بحيث تستطيع الموازنة متوسطة المدى الأهتداء بها. والحقيقة المؤلمة أنه منذ خطة 1976-1980 تم التخلي عن شمول قائمة مشاريع في وثيقة الخطة. وتكرر هذا الخطأ تباعا” بعد ذلك وكُرر أيضا” في خطة 2010-2014. كما انه ليس هناك خطوات محددة لتنفيذ سياسات ولا توقيت تنفيذها ولا الجهات المسؤولة عنها. أي أن خطة التنمية الوطنية هي وثيقة بلا وسائل وسياسات عملية ولا مشاريع للتنفيذ.[6]

  • ليس هناك منظور طويل الأمد متفق عليه للإنتاج النفطي ولا للعوائد النفطية. وهذا أمر يستحق الملاحظة. إن من أهم المباديء الاقتصادية/المالية السليمة في دولة نفطية هو محاولة تشخيص المسارالمتوقع لعوائد النفط لمدى زمني بين 20 و25 سنة. إن مثل هذا المسار يتيح تكوين ما يسمى سقف/سقوف الموارد النفطية resource ceilings or envelope. ويتيح هذا بدوره تحديد الإنفاق الذي يلتزم بهذه السقوف (زائدا” الموارد غير النفطية), أي الإنفاق المستديم sustainable. وبهذا يمكن إيداع الفروق السنوية بين العوائد الفعلية والإنفاق المستديم في صندوق إحتياطي نفطي إذا كانت الموارد أكبر من الإنفاق المستديم والقيام بسد النقص (أو معظمه) من صندوق الأحتياطي إذا حصل العكس. وفي العراق لا توجد نظرة واضحة للمستقبل ولا محاولة جادة لتكوين صندوق إحتياطي نفطي. إن القيام بهذا التمرين ليس هدفه الألتزام بأرقام السقوف حرفيا” وإنما تكوين إطار عام ومؤشرات مستقبلية مفيدة لتوقع الأزمات والعمل على تجنبها قدر الإمكان.

  • وربما يفسر عدم الأهتمام بهذا الأمر الشعور العام أن العراق مقبل على أنتاج نفطي ضخم وإن العوائد المستقبلية ستكون بأكثر مما يكفي بدون الحاجة للتخطيط. إن مثل هذه النظرة غير منتجة لأنها تقود للتبذير والوصول إلى إعتماد يؤدي إلى عواقب وخيمة عندما تنهار أسعار النفط أو ينخفض إنتاجه/تصديره.

خامسا”: العجـز وتمويلـه

يبلغ العجز 14.8 ترليون دينار في موازنة 2012 مكونا” حوالي 12.6% من التخصيصات الإنفاقية. وبعد تحديد التخصيصات فإن أهم سبب لهذا العجز يعود لحجم الايرادات النفطية. فلقد قُدرت الإيرادات النفطية على أساس سعر 85 دولار للبرميل وتصدير 2.60 مليون برميل/يوم. ويقارن ذلك مع سعر 105 دولار وتصدير 2.17 مليون برميل/يوم في 2011. إن استخدام 2.60 مليون برميل/يوم في الحسابات يبدو معقولا”. ففي مقابلة مع الموقع الإلكتروني Iraq Oil Report في 9 كانون الأول 2011 ذكر وزير النفط العراقي أن إنتاج (ومن ثم تصدير) النفط في 2011 كان أقل من طاقة الإنتاج وإن ما حدد الإنتاج خلالها هو محدودية طاقة منشآت التصدير. وذكر ان العمل جاري على زيادة طاقة التصدير إلى متوسط قدره 2.60 مليون برميل/يوم في 2012.

من ناحية أخرى فإن استخدام سعر 85 دولار للبرميل في الحسابات قد يكون متحفظا”. ومع أن التحفظ يتطلبه الحذر والتخطيط السليم إلا إن أفتراض إنخفاض السعر بعشرين دولار في 2012 عن 2011 قد يتضمن شيأ” من المبالغة.[7] فبالرغم من أشارتها لعدم اليقين الكبير الذي يكتنف الأسعار فإن محصلة التوقعات المتوفرة لا ترى إحتمالا” كبيرا” لإنخفاض الأسعار في 2012 عن 2011. فإدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA تتوقع في إسقاط لعام 2012 أن يرتفع سعر خام غرب تكساس من 95 دولار للبرميل في 2011 إلى 100 دولار في 2012 (مع العلم أن معدل سعر النفط العراقي كان أعلى من سعر خام غرب تكساس في 2011). أما أسقاط وكالة الطاقة الدولية IEA السنوي الصادر في تشرين الثاني 2011 فإنه يرجح أرتفاعا لأسعار النفط في “الأمد القصير”. من ناحية أخرى على الطرف المتحفظ فإن إسقاط الأوبك السنوي الصادر في تشرين الثاني 2011 يفترض مدى من الأسعار يتراوح بين 86 إلى 96 دولار للبرميل خلال العقد الذي يبدأ في 2012.[8] في ضوء ذلك يصبح توقع سعر برميل للنفط بأعلى من السعر الذي أفترضته موازنة 2012 (85 دولار) مبررا” ويصبح العجز المقدر فيها مبالغا” به.

لقد ذكر مشروع قانون الموازنة لعام 2012 أن أحد مصادر تمويل العجز سيكون “المدور النقدي من موازنة 2011“. ولكن ما هو حجم المدور النقدي من موازنة 2011؟ هنا نواجه بالمشكلة التي اشرنا اليها سابقا” وهي عدم وجود بيانات رسمية عن الفائض المتجمع (التراكمي) منذ 2003 وحتى نهاية 2011. ولكن مع ذلك تتوفر بيانات في تقرير مشاورات الفقرة الرابعة لصندوق النقد الدولي مع العراق لعام 2009 تبين بأن  حجم فائض الموازنة المتجمع بلغ في نهاية 2009 حوالي 11.7 ترليون دينار.[9] كما أن تقرير المشاورات لعام 2010 يبين أن الموازنة حققت فائض خلال النصف الأول من 2010.[10] من ناحية أخرى فإن موازنة 2011 ذَكَرَت أن أحد مصادر تمويل العجز المتوقع سيكون “المدور النقدي من موازنة 2010“. كل ذلك يعني أن الفوائض المتجمعة في نهاية 2010 كانت موجبة. فإذا أضفنا إلى ذلك فائض الموازنة المتحقق في نهاية 2011 والذي نقدره كما يتبين من الجدول (1) أعلاه بأكثر من 8 ترليون دينار يتبين أنه في نهاية 2011 فإن المتجمع من فوائض الموازنة (في حسابات وزارة المالية أو/و صندوق تطوير العراق DFI) قد يتراوح بين 8 إلى 20 ترليون دينار. إن ذلك يعني أن وزارة المالية بأغلب الظن سوف لن تلجأ إلى الإقتراض سواء من البنك المركزي أو المصارف الأخرى أو من صندوق النقد الدولي. غير أن عدم اليقين من حجم الفائض المتجمع  أو قواعد استخدامه تجعل من هذا التوقع نفسه أمر خاضع لعدم اليقين أيضا”.

سادسا”: تعويضات حرب الكويت وخدمة الديون الخارجية

يدفع العراق سنويا” 5 بالمئة من صادراته النفطية لتسديد تعويضات حرب الكويت. وتستقطع هذه المدفوعات السنوية إبتداء” قبل أيداع المتبقي في صندوق تطوير العراق DFI. لقد بلغت التعويضات التي صادقت عليها لجنة الأمم المتحدة للتعويضات حوالي 52.4 مليار دولار. وفي نهاية 2011 بلغ ما سدد منها 35.1 مليار دولا وما تبقى 17.3 مليار. ويلاحظ من الجدول (1) أن ما خصص للتعويضات في 2011 يبلغ 3.59 ترليون دينار. غير أن المقدار الفعلي الذي دفع يبلغ 4.85 ترليون دينار (4.1 مليار دولار). ويعود سبب الأختلاف أن هذه التعويضات تمثل 5% من الصادرات النفطية التي قدرت (أي قيمة الصادرات) في موازنة 2011 بمستوى منخفض مقارنة مع القيمة التي تحققت فعلا”. إن ما سيدفع للتعويضات في 2012 سيكون أعلى من المخصص (4.7 ترليون دينار أو 4.0 مليار دولار) حينما ترتفع أسعار النفط عن تلك التي بنيت عليها حسابات موازنة 2012.

وفي 1 تموز 2011 بدأت خدمة الديون الخارجية وستستمر كذلك لمدة 28 سنة أي حتى منتصف 2039. وبعكس مقدار التعويضات لا تتوفر معلومات دقيقة عن مقدار مجموع الديون الخارجية على العراق بالرغم من مرور ما يقرب من السبع سنوات على حصر المديونية. إن عدم اليقين حول المجموع نابع من حالة ديون الخليج. وبالإطلاع على تقارير مشاورات الفقرة الرابعة لصندوق النقد الدولي السنوية مع العراق يلاحظ وجود أرقام واضحة حول ديون نادي باريس والديون التجارية والديون غير الخليجية خاصة بعد أنتهاء مراحل تخفيضها في 2008/2009. ولكن بسبب عدم اليقين من ديون الخليج ليس هناك رقم واضح عن المجموع الكلي للديون. وبالرغم من عدم حسم أمر الديون الخليجية فإن التقارير المذكورة للصندوق تستمر بالإفتراض أن تخفيض الديون الخليجية سيحصل “”في السنة القادمة“. وعندما لا يحصل ذلك يدفع الأمر إلى السنة التي تليها, وهكذا. على سبيل المثال, في تقرير مشاورات 2008 ورد في ص 30 أن مجموع الديون الخارجية كان 102 مليار دولار في نهاية عام 2007 وسيصبح 32 مليار في نهاية 2008 و33 مليار في نهاية 2009. ولكن في تقرير مشاورات 2009 ورد في ص61 أن المجموع في 2009 هو 137 مليار دولار وأنه سيصبح 47 مليار في 2010. وفي تقرير مشاورات 2011 الذي صدر في آذار ذُكر في ص 25 أن مجموع الديون الخارجية في نهاية 2010 هو 107 مليار دولار وسيصبح 37 مليار في نهاية عام 2011. ولكن 2011 أنقضى ولم تخفض ديون الخليج.

إن عدم اليقين هذا لابد أنه أصاب أيضا” أرقام الموازنة. إذ يلاحظ من الجدول (1) أن ما خصص لخدمة الديون الخارجية بلغ 3.32 ترليون دينار (2.8 مليار دولار) في موازنة 2011 و4.65 ترليون دينار (4.0 مليار دولار) في موازنة 2012. وبما أن خدمة الدين (الفائدة والأصل) تعتمد على حجم الدين (وسعر الفائدة) فأن من الصعوبة معرفة الحجم الذي حسبت على أساسه  هذه التخصيصات.

لقد ثُبِّت سعر الفائدة الذي تحتسب على أساسه خدمة الديون, مسبقا”, بمستوى 5.8 بالمئة. إن تثبيت سعر الفائدة له محاسنه ومساوئه. إذ عندما تزداد حدة التضخم تميل الدول المختلفة إلى رفع أسعار الفائدة فيها. وبذلك يكون تثبيت السعر مفيدا”. ولكن في الوقت الحاضر الذي يتسم بأقتراب سعر الفائدة على الدولار من العدم وفي ضوء الجهود في العالم لأنعاش الاقتصادات المختلفة فإن من غير المتوقع رفع أسعار الفائدة في المستقبل المنظور. على هذا يبدو سعر الفائدة المستخدم لحساب خدمة الديون على العراق عال” جدا” حاليا”.

سابعا”: الموازنة والتضخــم

لقد كان التضخم في السنوات التي سبقت عام 2008 دالة للحالة الأمنية وما رافقها من شح في العرض السلعي خاصة في الوقود والمنتجات النفطية. هذا بالإضافة للتضخم المستورد وبالذات تضخم أسعار الأغذية. فمنذ عام 2003 لعبت أسعار الوقود دورا” أساسيا” في تصعيد التضخم حتى عام 2007 (الشح الشديد في الوقود) ومن ثم في تخفيضه بعد ذلك, عندما تحسنت الحالة الأمنية وأتخذت إجراءات لتغيير أسعار الوقود وإجراءات في زيادة عرضه.[11] لقد بلغ معدل التضخم حوالي 35.9% سنويا” خلال الفترة 2002-2007 لينخفض حتى يصل إلى تضخم سالب (إنخفاض في معدل الأسعار) مقداره -2.8% في 2009 ثم يرتفع بإعتدال إلى 2.2 في 2010 وإلى 5.5% في 2011. ويبين الجدول (2) تطور التضخم (كما هو مقاس بالتغير النسبي لأسعار المستهلك) منذ 2003 ومساهمة فقرات الإنفاق المختلفة فيه.

جدول (2) التضخم في العراق ومساهمة فقرات الإنفاق فيه

مساهمة فقرات الإنفاق في التضخم

معدل التضخم السنوي,%

 

مجموع المساهمات

أخرى

الوقود

الإيجار

الغذاء

        100

9

26

50

16

      35.9

2007-2003

        100

16

219 –

215

88

       2.7

2008

– 100

– 6

– 292

127

71

– 2.8

2009

100

7

– 1

58

37

2.2

2010

100

17

23

42

18

5.5

2011

المصدر: محتسب من الأرقام القياسية لأسعار المستهلك, الجهاز المركزي للإحصاء. معدل التضخم السنوي المركب للفترة 2003-2007 محتسب بين 2002 و2007.

ملاحظة: قبل عام 2010 المقارنات بين ارقام قياسية بأساس 1993. ومنذ 2010 المقارنة بأساس 2007. مع العلم أن الجهاز المركزي للإحصاء يوفر أرقام 2009 بالأساسين.

لقد أتسمت الفترة 2008-2011 بتضخم معتدل لم يلعب فيها ضغط الطلب دورا” كبيرا” في دفع الأسعار إلى الأعلى. ولعل أهم مؤشرات تغير درجة ضغط الطلب, خاصة الاستثماري, تتمثل في حجم تغير أسعار الخدمات كالنقل والمواصلات والإيجار والخدمات الأخرى. وفي خلال هذه الفترة, كما في الفترات السابقة, كان تأثير تغير أسعار الخدمات (المشمولة في فقرة أخرى في الجدول 2), عدا الإيجار, معتدلا” بل أنه كان سالبا” في عام 2009. أما أرتفاع الأهمية النسبية لتغير معدلات الإيجار منذ 2003 في التضخم كما يبدو من الجدول فإنها تعود إلى الحالة الأمنية وإنفصام (segmentation) أسواق العقار أكثر منها بتاثير ضغط الطلب. لقد كانت الفقرات الرئيسية في تغير أسعار المستهلك خلال الفترة 2008-2011, كما في الفترة السابقة, هي الوقود والإيجار والغذاء.

ويشير إعتدال معدل التضخم خلال الأربع سنوات الأخيرة إلى أن محددات الطاقة الاستيعابية لم يتم تخطيها بالرغم من إرتفاع الإنفاق العام في الموازنة. وفي حالة أمنية مستقرة نسبيا” فإن أهم مؤشرات الوصول إلى أو تخطي حدود الطاقة الاستيعابية هي أولا” تسارع معدل التضخم, وثانيا” تسارع أسعار الخدمات. وكلا الأمرين لازال معتدلا” نسبيا”.

ولكن ذلك قد لا يستمر طويلا” خاصة عندما تسستتب حالة الأمن وتتوحد بعض الأسواق المنفصمة عن بعضها حاليا” (كسوق العقار) بحيث يمكن أن تعاد تجربة سبعينات القرن الماضي. إن تزايد حجم الإنفاق السنوي ووصول تخصيصاته إلى 117 ترليون دينار في موازنة 2012 والتصريحات الرسمية بالرغبة في تنفيذ مشاريع الاستثمار بأسرع من السابق وكذلك بدء الاستثمارات النفطية في مختلف أنحاء العراق قد يقود إلى تصاعد درجة ضغط الطلب. لهذا لا بد من الحذر في هذا المجال من خلال التخطيط الجدي لفك الأختناقات حالما تحدث من خلال مجموعات عمل تنسيقية بين الوزارات والمناطق والأقاليم المختلفة خاصة في نقاط الاستيراد والتصدير والموانيء والطرق, الخ. كما ينبغي الأبتعاد عن نوايا وتصريحات تُعْلِن عن بدء “خطة إنفجارية” جديدة والتي تحمل مضمون عدم الأهتمام بالإختناقات المحتملة. فالذي حدث في الخطة الإنفجارية لسبعينات القرن الماضي كان إطلاق العنان لكافة إنواع الاستثمارات والإنفاق الجاري وفي ذات الوقت التماهل في فك الأختناقات بسرعة وبجدية. وقد فاقم الوضع حينئذ أبقاء الحماية الكمية والقيود الإدارية على تحويل العملة الأجنبية والاستيراد والتضييق على نشاط القطاع الخاص. ولابد من الإنتباه أن العراق دولة ليس لها منافذ مهمة على البحر وهذا ما يؤدي إلى تضخيم الأختناقات. وهذا عكس الدول التي لها منافذ بحرية تستطيع استخدامها لفك اختناقات الموانيء والتجهيزات من الخارج.

ثامنا”: الاستخدام الحكومي والفخ الريعي

إن أحد أهم مظاهر الاقتصاد الريعي هو ضخامة الاستخدام الحكومي. فهو النمط الغالب في الدول النفطية خاصة العراق وليبيا والجزائر, الخ. ذلك إن حجم ونسبة الاستخدام الحكومي في الاستخدام الكلي في الدول النفطية يمثل أهم وأصعب الأفخاخ الريعية التي وقعت فيها هذه الدول. أما في العراق فأنه إضافة لظروف الريعية التي فرضت زيادة التشغيل فإن الدولة الآن قائمة على تحقيق السلام الاجتماعي وإرضاء الفئات والجماعات المتخاصمة المختلفة من خلال تضخيم هذا الاستخدام. إضافة لذلك فإن الحفاظ على النسب المحاصصية في الاستخدام الحكومي على أصعدة كثيرة يساهم مساهمة فعالة في زيادة عدد مستخدمي الدولة. وإضافة ل 2.75 مليون مستخدم في الدولة فإن موازنة 2012 ستضيف 59 الف آخرين. وفي السنوات المتعاقبة سيزداد الضغط الشعبي لزيادة الاستخدام الحكومي بأعداد أكبر.

لذلك من غير المتوقع أن تحل هذه المشكلة في العراق في المستقبل المنظور. إن جل ما يمكن عمله الآن هو النظر في مصداقية أرقام الاستخدام الحكومي والتأكد من صحة وجود الأشخاص المستخدمين. إذ يعتقد أن هناك أسماء وهمية لفئات تستلم الرواتب ربما من عدة جهات. لقد تبين هذا الأمر أيضا” في بلاد نفطية أخرى.

تاسعا”: الإعانـات والفقـر

في مسح أجراه الجهاز المركزي للإحصاء عن الفقر في 2007, تبين النتائج  أن الفقراء يمثلون حوالي 23% من مجموع السكان في العراق (أي الذين يقعون تحت “خط الفقر”).[12] ولا تتوفر بيانات عن نسبة الفقراء لسنوات لاحقة. وتوجد بعض الأسباب للشك في إنطباق هذه النسبة على الوقت الحاضر. فكما أشير أليه سابقا” فإن عدد من يتلقون دخلا” من الدولة الآن بشكل رواتب أو إعانات أجتماعية قد يشمل معظم العوائل العراقية. كما ان تخصيصات الرواتب والإعانات الاجتماعية في موازنتي 2011 و2012 بلغت 41.5 و48.8 ترليون دينار على التوالي[13] (35.5-41.7 مليار دولار). وحتى مع وجود درجة ملموسة من التفاوت في الرواتب العامة والإعانات وأنتشار الفساد فإن معدل الدخل من هذه التخصيصات (بما فيها الحصة التموينية على تقلبها) قادر على إشباع قدر كبير من الحد الأدنى المطلوب من السعرات الحرارية الغذائية لمعظم الأفراد. وهذا الحد الأدنى هو, بالمناسبة, أساس تقدير خط الفقر الذي بنيت على اساسة نسبة السكان تحت خط الفقر في 2007. أني أعتقد أيضا” أن هناك مبالغة في تقدير خط الفقر نفسه في 2007. ويعود السبب لهذا الإعتقاد استخدام مسح ذلك العام لحد أدنى من السعرات مقداره 2,337 سعرة/شخص/يوم. وهذا الحد هو الذي قرر خط الفقر. إن ما يستخدم عادة في تقديرات خط الفقر يبلغ أقل من ذلك وبحدود 2000-2100 سعرة/شخص/يوم. لذلك فإن استخدام هذه الحدود سيخفض نسبة السكان تحت خط الفقر.

على كل حال, تبين بيانات الفقر للمسح المذكور أن مناطق العراق تختلف من حيث نسبة السكان تحت خط الفقر. ففي المحافظات الثلاث الكردية التي كانت تتسم بدرجة كبيرة من الأمن مقارنة بباقي أنحاء العراق في 2007, تراوحت نسبة السكان تحت خط الفقر من 3% في اربيل والسليمانية إلى 9% في دهوك. ولكن في بغداد بلغت النسبة 19% لتقفز إلى 40-41%  في صلاح الدين وبابل  و49% في المثنى.

 إن تخصيص الإعانات والحصص التموينية في الموازنة ينطوي على معضلة بحاجة إلى حل مدروس ومتأني. لقد أدى أستمرار الإعانات وتوزيع الحصص التموينية إلى منع تفاقم سوء التغذية في الماضي. ولكن الوجه الآخر للمعضلة هو أن الفساد والتهريب يستنفد جزء” مهما” من الحصص التموينية مما يقود إلى ضياع لا يستفيد منه الفقراء ويحمِّل الموازنة أعباء” متزايدة. لذلك لابد من دراسة كيفية توزيع الإعانات على مستحقيها فعلا”. وإذا كان يمكن تحويل الحصص التموينية إلى إعانات يستلمها مستحقوها فعلا” سواء بشكل كوبونات أو كمدفوعات نقدية مباشرة للمستحقين فإن هذا الحل مناسب إذا كان يتجنب الفساد والضياع بدون التاثير السلبي على المستحقين.

عاشرا”: الموازنة الفدرالية والأقاليم والمناطق

بسبب عدم الوضوح في العلاقة التفاعلية بين وزارة المالية الإتحادية والسلطات المالية في المناطق في إعداد وتنفيذ ومتابعة الموازنة (التفاعل من الأعلى إلى الأسفل وبالعكس) فإن هذه الفقرة تمثل تساؤلات واستفسارات أكثر منها تحليلا” لواقع معروف.

هناك تداخل في دور وزارة المالية كمؤسسة فدرالية ودور المناطق المختلفة وأقليم كردستان. وهذا هو إنعكاس لتداخل الأختصاصات في الدستور (على سبيل المثال, مادة 114). فهناك مشاريع وطنية تقوم بها الوزارات الفدرالية ومشاريع أقليمية ومناطقية تقوم بها السلطات المحلية. وحسب المواد (112, 121 و125) من الدستور توزع عوائد النفط على المناطق والأقاليم حسب السكان. ولقد استحدث ما يسمى بالبترودولار وهو يمثل تخصيصات مالية إضافية في الموازنة للمناطق المنتجة للنفط والغاز والمكررة للنفط. أي إضافة للتخصيصات حسب عدد السكان. كما أن هناك تخصيصات لتطوير الأقاليم تمولها الخزينة الفدرالية. وليس من الواضح تماما” كيف يتم تقرير التخصيصات في الموازنة فعليا” ليتم الإلتزام بجميع هذه القواعد والقوانين. ففي غياب أدلة وتعليمات منشورة ومعروفة وكذلك في غياب خطة وطنية واضحة وخطط أقليمية ومناطقية ربما يصبح الأمر متعلقا” بالقوة التفاوضية للمناطق والجماعات السياسية المختلفة. ولعل أوضح حالة هي القوة التفاوضية لكردستان, حيث أنها تستلم حصتها البالغة 17% من الموازنة ويبدو أنها تقرر مصروفاتها الجارية والاستثمارية. أما المناطق الأخرى فليس هناك قواعد محددة معروفة حول كيفية التصرف بتخصيصاتها ومن يقرر توزيعها بين مختلف الفقرات الإنفاقية. كما يثار تساؤل حول الموارد المحلية للمناطق وكيف يجري التصرف بها وما هو دور وزارة المالية في رسم ميزانياتها المحلية وتنفيذها؟ إن عدم الوضوح في صورة العلاقة الفدرالية/المناطقية وإنخفاض المستويات التقنية قد يؤدي ليس فقط إلى تواضع التنفيذ والمراقبة والكفاءة وإنما إلى أنتشار الفساد المالي والفني.

حادي عشر: إعداد الموازنة والتنفيذ والمتابعة والتقييم والنشر

بالرغم من تخصيصات كلية للنفقات تعادل مائة مليار دولار فإن الموازنة في العراق تعد بمنهجية وأساليب وطرق غير واضحة للمراقب الخارجي. فليس هناك أدلة manuals, handbooks رسمية موثقة منشورة حول طرق إعداد ومراحل ومؤسسية المداولات والصياغة النهائية. ومن غير المعروف وجود برمجة لتوقيت تنفيذ الفقرات المختلفة للنفقات الجارية والاستثمارية وتأمين توفر النقد أو الإئتمان المصرفي اللازم للتنفيذ. ولو قارنا هذه الوضعية بموازنات بعض الدول العربية التي يبلغ حجم تخصيصات النفقات فيها أقل بكثير من مثيلتها في العراق فإن الموازنات فيها تصدر بمختلف التصنيفات بشكل مترابط ومتسق. إضافة لذلك أخذت هذه الدول بتضمين الموازنة معايير للمتابعة وتوقيتات للتنفيذ لمختلف فقرات الموازنة. هذا إضافة إلى تنظيم الآلية المصرفية لتوفير النقد أو الإئتمان في الوقت الذي تحتاجه الجهات المعنية بالتنفيذ. كل ذلك من خلال مؤسسية مالية/مصرفية وبأستخدام آلية الكترونية. كما أمتد الأمر إلى تضمين بعض الموازنات مؤشرات للتقييم مفيدة لمتابعة فعالية النفقات ومدى وصولها إلى الفئات المستهدفة.

وفيما عدا عما يتسرب لبعض أو كل جداولها, فإن مشروع الموازنة, في العراق, يحجب من التداول بشكل رسمي حتى يصادق مجلس النواب عليه ويمر على المصادقة وقت ليس بالقليل. والذي يتوفر بعد إنقضاء هذه الفترة هو قانون الموازنة الذي يحتوي على أقل المعلومات والتعليمات وبدون الجداول الملحقة. وعند ذاك ينشر القانون في قسم القوانين في الموقع الإلكتروني لمجلس النواب. أما ما يتوفر من التفاصيل فيتاح  قسم منه في موقع وزارة المالية بجداول غير منسقة أقرب ما تكون إلى مسودات غير متتابعة وفي بعض الأحيان مرورا” بفجوة من صفحات غير موجودة.

إن استمرار الطرق السائدة في الإعداد والمناقشة والتنفيذ والتقييم يقود إلى تدني الكفاءة وغياب الشفافية. كما أن الحجم الكبير من الإنفاق ينطوي على مشتريات حكومية وعقود كبيرة ستعطي مجالا” واسعا” للفساد في غياب تفاصيل وتصنيفات مترابطة وواضحة تساعد على المتابعة والمراقبة. لذلك ينبغي العمل على إعداد الكادر الفني المقتدر للقيام بإعداد الموازنة من خلال مؤسسية متطورة تستفيد من المعايير والتطبيقات الدولية. على سبيل المثال, إن ألتزام العراق بتطبيق منهجية “دليل إحصائيات مالية الحكومة GFSM 2001[14] في المحاسبة الحكومية يتطلب القيام تدريجيا” بتحقيق  مقابلة واضحة بين تصنيفات الموازنة والتصنيفات الواردة في هذا الدليل الدولي. كذلك ينبغي توفير الأقسام التي تعمل على وتتابع نشر مجلدات الموازنة وإتاحتها للمختصين والمواطنين صاحبي المصلحة الحقيقية من تنفيذ الموازنة بأرفع كفاءة ممكنة.

شكر: أود أن أشكر كل من د. فاضل مهدي ود. بارق شبر على مراجعة المقال وتقديم مقترحات مفيدة لتحسينه. كما أشكر د. بارق على الرسم البياني في بداية المقال.

* د. علي مرزا عَمِل سابقا” في وزارتي النفط والتخطيط العراقية وككبير مستشاريين في قسم الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة.

ينشر هذا البحث بموافقة مدير موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين الذي يمتلك حقوق النشر

www.iraqieconomists.net

مصادر وهوامش


1 تتخطى فقرة الرواتب والإعانات والمنافع الاجتماعية في موازنة 2012 (41.7 مليار دولار) حجم الناتج المحلي الإجمالي لتونس في عام 2008 والذي بلغ 40.2 مليار دولار. الناتج المحلي الإجمالي لتونس مستقى من:

UNDP (2010) Human Development Report 2010.

[2]  ورد حجم الأسرة العراقية في مسحين كلاهما صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء: “مسح الأحوال المعيشية في العراق 2005” بالعربية و”المسح الاقتصادي /الاجتماعي IHSES-2007” بالإنجليزية. وبلغ حجم الأسرة 6.8 شخص في المسح الأول و6.9 شخص في المسح الثاني.

[3]  في أحد فقراته يغطي المصدر التالي سلوك أسعار النفط حتى 2010. ولقد قمت بتحديث الفترة لغرض هذا المقال حتى 2011 (فيما يخص أسعار النفط الأسمية).

 Merza, A. (2011), ‘Oil revenues, public expenditures and saving/stabilization fund in Iraq’, International Journal of Contemporary Iraqi Studies 5: 1, pp. 47–80, doi: 10.1386/ijcis.5.1.47_1.

[4]  أنظر:  IMF (2011)  Iraq Second Review Under the Stand-By Arrangement, Requests for Waiver of Applicability, Extension of the Arrangement, and Re-phasing of Access—Staff Report; Press Release on the Executive Board Discussion; and Statement by the Executive Director for Iraq, IMF Country Report No. 11/75, March.

[5]  أنظر: Merza, A. (2011), Op. cit.

[6]  علي مرزا (2011) “ملاحظات على التخطيط في العراق: الهيكل المؤسسي والمهام”, مجلة دراسات اقتصادية,  بيت الحكمة-بغداد, العدد 25.

[7]  إن دخول ليبيا لسوق التصدير بعد إنقطاعها في 2011 قد يقود لإنخفاض الأسعار ولكن ليس بالمدى المبين بأفتراض حسابات موازنة 2012. من ناحية اخرى فإن تصاعد الأزمة مع أيران ومن ثم إحتمال المواجهة في الخليج العربي قد يقود إلى تصاعد الأسعار. ولكنه من ناحية أخرى قد يؤدي إلى انقطاع التصدير عن طريق الخليج.

[8]  المصادر التالية, تباعا”, لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية ووكالة الطاقة الدولية والأوبك:

U.S. Energy Information Administration (2012) ShortTerm Energy Outlook, January.

International Energy Agency, IEA (2011) World Energy Outlook 2011, Executive Summary, November.

OPEC (2011) World Oil Outlook 2011, November.

[9]  أنظر: IMF (2010) Iraq: Staff Report for the 2009 Article IV Consultation and Request for Stand-By Arrangement, Report No. 10/72, March, Page 9.

[10]  أنظر: IMF (2010) Iraq: First Review Under the Stand-By Arrangement, Request for Waiver of Non-observance of a Performance Criterion, Waiver of Applicability, and Re-phasing of Access, Report No. 10/316, October, Page 3.

[11]  أنظر: Merza, A. (2010), “Fuel Prices and Inflation in Iraq: The Rise and Fall of a Supply Shock”, Middle East Economic Survey, April.

[12]  الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات (2009) تقرير خط الفقر وملامح الفقر في العراق, وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي, بغداد, آذار, صفحة 11.

[13]  كما أشير أليه سابقا” يساوي كل من هذين الرقمين, في السنة المعنية, مجموع الرواتب والرواتب التقاعدية زائدا” 75% من فقرة الإعانات والمنح والمنافع الاجتماعية  في جدول (1).

[14]  أنظر: IMF (2001) Government Finance Statistics Manual 2001, Washington DC.

"الأراء والمقالات المنشورة ، لا تُعبر بالضرورة عن اتجاهات تتبناها شبكة الاقتصاديين العراقيين ، وإنما تُعبر عن رأي كُتابها فقط وهو الذي يتحمل المسؤولية القانونية والعلمية"

أبحاث ومقالات أخرى للكاتب

Mohamed Al-Rubeai

أ.د. محمد الربيعي *: صداع البحث العلمي

وزير الموارد المائية الدكتور حسن الجنابي يضع النقاط على الحروف في ازمة البصرة

وزير الموارد المائية الدكتور حسن الجنابي يضع النقاط على الحروف في ازمة البصرة

عبد الحسين العنبكي

أ.د. عبد الحسين العنبكي*: المنجحات العشر مجددا .. منهج حكومي متكامل

Foad Mursi image

د. فؤاد مرسي*: جوهر النمو الاقتصادي التاريخي

Walid in seiner Wohnung

وليد خدوري *: الاقتصاد العراقي: الأزمات والتنمية

Dr. Mudher new image 2

د.مظهر محمد صالح *: لمحات من تاريخ بغداد الاقتصادي اختبار سلوك المستهلكين

Ali Shmara image 2

المستثمر ورجل الاعمال العراقي المتخصص في الكهرباء علي شمارة يتحدث عن اسباب ازمة الكهرباء

Hussain Hunein image 3

حسين الهنين*: إدارة الديون العراقية الكريهة

عن