إسراء صالح داؤد:
تنا ول العديد من الخبراء والمهتمين بقطاع التأمين وشؤونه قانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 بالدراسة والتحليل ، وتبرز في هذا الصدد دراسات الأستاذ مصباح كمال في نقد وتقييم القانون اعلاه واثره على واقع قطاع التأمين وتطويره ( ) , ولم تكن الانتقادات الموجّهة إلى هذا القانون وليدة خلاف فقهي عابر، بل جاءت نتيجة آثار عملية تراكمت مع مرور الوقت .
ان أبرز ما أثير في هذا السياق هو نص المادة (81) من القانون اعلاه ، لما تمثله من تماس مباشر مع فلسفة تنظيم السوق العراقي وحماية التوازن بين شركات التأمين الوطنية والأجنبية ، و تعتبر هذه المادة حجر الزاوية في حماية حق المؤمن له في اختيار شركة التأمين بحرية تامة ، فأي شخص طبيعي أو معنوي – سواء كان عامًا أو خاصا – له الحق الكامل في اختيار المؤمن أو معيد التأمين دون إجبار أو توجيه قسري، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.( )
يلاحظ على ان المادة (81) من قانون تنظيم اعمال التامين المرقم 10 لسنة 2005 أنها فتحت بصياغتها المرنة مجالا” واسعًا لتوفير التغطية التأمينية على الأموال والموجودات العراقية من قبل شركات أجنبية غير مجازة من ديوان التامين – وهذا ماتناوله العديد من الكتاب والمهتمين بالشرح وهو ما عد تجاوز ا”
غير مباشر لاحكام المادة (13) من القانون ذاته التي حدّدت بوضوح الجهات المسموح لها بمزاولة أعمال التأمين داخل السوق العراقي وربطت ذلك بمتطلبات التسجيل والرقابة والخضوع للقانون العراقي(1) .
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
إسراء صالح داؤد. المصلحة العامة … ذريعة لتقييد حرية التأمين

مصباح كمال
عودة سريعة إلى القراءة النقدية للمادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005
أودّ أن أتقدّم بالشكر للزميلة الآنسة إسراء صالح داؤد على تفكيكها الدقيق للمادة 81 من قانون تنظيم أعمال التأمين لسنة 2005، وعلى إبرازها جانباً مهماً من العيب التشريعي الكامن في هذا النص، ولا سيما ما يتعلّق بعدم الالتزام به تحت ذريعة “المصلحة العامة”.
قبل أكثر من عشر سنوات تناولتُ هذه المادة بالتحليل في مجلة التأمين العراقي (https://misbahkamal.blogspot.com/2013/01/article-81-of-2005-insurance-law.html) وأجد من المفيد اليوم استعادة تلك القراءة، لأن المادة 81 وُلدت في ظرف استثنائي تماماً: ظرف الاحتلال، حيث لا يملك المحتل – وفق القانون الدولي – صلاحية تغيير القوانين القائمة ما لم تكن تشكّل تهديداً مباشراً لوجوده. ومع ذلك، جاءت هذه المادة محمّلة برؤية اقتصادية ليبرالية متطرفة دفعت باتجاه فتح السوق العراقي على مصراعيه أمام الشركات الأجنبية دون أي قيد تنظيمي. ولأن قطاع التأمين يرتبط بالأمن الاقتصادي للدولة، فقد ترك هذا النص آثاراً عميقة على بنية السوق وعلى قدرة المؤسسات الوطنية على النمو. وما زلنا حتى اليوم لا نعرف حجم أقساط التأمين التي تسربت إلى الخارج.
تنص الفقرتان الأولى والثانية من المادة على أن أي شخص، طبيعي أو معنوي، عام أو خاص، يملك حرية شراء التأمين من “أي مؤمن أو معيد تأمين”، وأنه لا يجوز إجباره على التعامل مع جهة محددة. في ظاهر الأمر، يبدو النص وكأنه يكرّس حرية التعاقد. لكن عند النظر إلى السياق، يتضح أن هذه الحرية تحوّلت إلى فتح غير منضبط للسوق، يسمح بالتعامل مع شركات أجنبية غير مسجلة وغير خاضعة للرقابة العراقية. في قطاع حساس مثل التأمين، لا توجد دولة – متقدمة أو نامية – تسمح بالاكتتاب الخارجي دون ضوابط. فالتأمين ليس سلعة عادية، بل هو إدارة للمخاطر الوطنية، وغياب الرقابة يعني غياب الحماية.
هناك تناقض داخل القانون نفسه. فالمفارقة أن القانون يشترط في مواده الأخرى (وخاصة المادتين 13 و14) أن مزاولة أعمال التأمين داخل العراق لا تتم إلا عبر شركات عراقية أو فروع شركات أجنبية مجازة ومسجلة. لكن المادة 81 تتجاوز هذا الشرط تماماً، وتسمح بالتعامل مع أي شركة في أي مكان في العالم. هذا التناقض ليس مجرد خلل تقني، بل هو ثغرة تشريعية واسعة أضعفت الرقابة على السوق وقدرة الدولة على تنظيم القطاع.
لقد أدت المادة 81 إلى مجموعة من الآثار العملية التي يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:
1. تسريب أقساط التأمين إلى الخارج. تعاملت جهات عراقية مع شركات أجنبية غير مسجلة، ما أدى إلى نزيف مالي مستمر دون أي فائدة اقتصادية داخلية.
2. إضعاف شركات التأمين العراقية العامة والخاصة. الشركات العراقية تخضع للضرائب والرقابة ومتطلبات الملاءة، بينما الشركات الأجنبية غير المسجلة لا تتحمل شيئاً من ذلك. والنتيجة هو منافسة غير عادلة.
3. غياب الرقابة على المخاطر الوطنية. عندما يتم الاكتتاب خارج العراق، تفقد الدولة القدرة على معرفة طبيعة المخاطر التي تُؤمَّن، وعلى حماية المؤمن لهم عند النزاع.
تنص الفقرة الثالثة على أن التأمين على الأموال العامة يتم بالمناقصة العلنية، وأن جميع المؤمنين المجازين في العراق يحق لهم المشاركة. لكن هذا النص يصبح بلا قيمة عملية، لأن الفقرتين الأولى والثانية تسمحان للجهات الحكومية نفسها بشراء التأمين من الخارج دون المرور بالسوق المحلي (وهذا ما حصل بشكل خاص في فرع التأمين البحري). وبذلك تتحول الفقرة الثالثة إلى نص معطّل لا يحقق غايته.
في التشريعات المقارنة، حتى الدول الأكثر انفتاحاً اقتصادياً تشترط التسجيل المحلي، الرقابة على الملاءة، الالتزام بالقانون الوطني، حماية حقوق المؤمن لهم (وهذا هو الوضع في أسواق التأمين العربية). المادة 81 تتجاوز كل ذلك، وتسمح بالاكتتاب الخارجي دون أي شرط. وهذا يجعلها مادة شاذة تشريعياً مقارنة بالمعايير الدولية.
بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على صدور القانون، ورغم تغيير الأوضاع في سوق التأمين العراقي، أصبح واضحاً أن المادة 81 لم تكن خطوة إصلاحية، بل كانت خطوة تفكيكية ساهمت في إضعاف سوق التأمين العراقي وأفقدت الدولة السيطرة على قطاع حيوي. ولذلك فإن إصلاحها لا يمكن أن يتم عبر تعديل جزئي، بل يحتاج إلى إعادة صياغة كاملة تعيد الاعتبار للرقابة، وللسيادة التنظيمية، ولحماية السوق الوطني.
أجدّد ثنائي على نهج الزميلة إسراء صالح داؤد في التحليل، وآمل أن تواصل إغناء النقاش التأميني بخبرتها بعد مغادرتها رئاسة ديوان التأمين.
27 نيسان 2026