د. علي مرزا*
أولاً: مقدمــة
من المتوقع أن تؤدي نتائج حرب الخليج، التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026 بهجوم جوي للولايات المتحدة/إسرائيل على إيران، إلى تبعات جيوسياسية جوهرية في الشرق الأوسط تؤثر بدورها، من بين قضاياً متشعبة جيوسياسية واقتصادية ومجتمعية أخرى، على سياسات تطوير وإنتاج واستهلاك ونقل النفط والغاز، والطاقة عموماً، في المنطقة وفي العالم. فلقد قادت عرقلة/انقطاع الملاحة عبر مضيق هرمز، من ناحية، والحصار على المنطقة، من ناحية أخرى، إلى انخفاض نسبة ملموسة في العرض العالمي للنفط والغاز والاسمدة والهليوم ومنتجات بتروكيماوية أساسية أخرى. إضافة لذلك، فإن تعرض المنطقة لتدمير في البنى الأساسية والذي طال منها جانب من قطاع الطاقة، وزيادة مخاطر توسعه باستمرار الحرب، أخذ يهدد جدياً بتفاقم أزمات اقتصادية ومالية دولية، مما قاد إلى دعوات عالمية، لا سيما في الدول الصاعدة/النامية، لإنهاء الحرب. ومنذ 8 نيسان/أبريل تم الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية، لوقف أطلاق النار والنية في الشروع بمفاوضات، تبين منها، نتيجة تباعد المواقف لحد الآن (بعد مرور حوالي تسعة أسابيع على بدء الحرب)، صعوبة التوصل لاتفاق.
وفي غياب نتيجة حاسمة بأنهاء الحرب و/أو غياب تسوية سلمية بعيدة المدى، سيستمر الشرق الأوسط/المنطقة العربية في حالة من عدم الاستقرار وما يصاحبه من عدم يقينن. هذا إضافة لعدم اليقين ”المعتاد”، مما يجعل اتباع سياسات واستراتيجيات مستقرة، لا سيما في المجال التنموي والطاقة، صعب المنال. وفي هذا السياق ينطوي التخطيط الاقتصادي، والتخطيط عموماً، على مسارات عالية اللايقين وتنطوي الخيارات المترتبة عليها على تكاليف إضافية لا بد من تحملها مقارنة بالحالات المعتادة.
ثانياً: آفاق عامة للتبعات المتوقعة على الطلب العالمي للنفط
ومن جانب الطاقة عموماً، سيكون من تبعات هذه الحرب، بأغلب الاحتمال، تسريع تطور استهلاك الطاقات المتجددة renewables في درجة احلالها محل النفط والغاز، والوقود الاحفوري عموماً. ويبرز في هذا المجال تهديد أمان التجهيز/الامدادات security of supplies كسبب رئيس لهذا الاحلال، بما يعادل الأثر البيئي وربما يتخطاه، في الأمدين القصير والمتوسط. فلا شك أن استمرار تهديدات التجهيز من منطقة مضطربة كالشرق الأوسط، لا سيما إلى أوربا وشرق آسيا وغيرها من المناطق، من ناحية، والتبعات الاقتصادية المتمثلة بتصاعد وتقلب أسعار النفط والغاز ومشتقاتهما، لا سيما الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية وغيرها، وأثرها الكبير على تكاليف المعيشة والتنافسية في السوق الدولية، من ناحية أخرى، سيساهم في تسريع استخدام الطاقات المتجددة وفي ذات الوقت الاستمرار في تطوير مصادر النفط والغاز خارج المناطق المضطربة جيوسياسياً، وذلك لضمان أمان إمدادات الطاقة والمنتجات المشتقة. ولكن هذه التبعات نفسها تخضع لنتائج الحــرب، مـــن ناحيـة، وتكاليـــف أحـلال الطاقــاـت المتجـــددة لا سيما بناها الأساسية، ومناطق انتاج النفط/الغاز البديلة، مـن ناحيـة أخــرى.
وهنا تبرز ماثلة التطورات التي تبعت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 و”المقاطعة النفطية العربية” و”الصدمات” التي نتجــت عنهــا، وتلتها، والتي أثــَّرَت سلباً في العــرض النفطــي العالمي بدرجة ملموسة ممــا قــاد إلى تصاعد وقفزات في أسعار النفط. ولقد كانت تبعات ذلك بعيدة المدى وقادت إلى تغييرات هيكلية عالمية، تمثلت في تغيير التأثير النسبي للمتغيرات في دالة الطلب العالمي على النفط، إضافة لمتوسط سعر النفط، استمرت إلى يومنا هذا. إذ ساهمت، من بين عوامل أخرى، في تباطؤ ملموس لنمو الطلب العالمي على النفط. فبينما كان متوسط نسبة النمو (المركب) للطلب العالمي على النفط يبلغ حوالي 7.9% سنوياً بين 1960 و1972 فأنه أنخفض بحدة إلى حوالي 1.3% سنوياً بين 1972 و2025. أنظر الشكل (1) أدناه. ولقد تمثلت التغييرات الهيكلية في عوامل متعددة ساهم فيها، بشكل أو بآخر، تهديد أمان امدادات النفط، وارتفاع متوسط سعره، منذ سنة 1973، لعل أهمها ما يلي، باختصار:
(1) انخفاض كثافة intensityاستخدام النفط: النفط المستخدم لكل وحدة قيمة من الناتج المحلي الإجمالي (أي ارتفاع كفاءة استخدامه).
(2) انخفاض نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، عموماً، لا سيما في الدول المتقدمة، بالرغم من ارتفاع نسبة النمو في دول صاعدة ونامية.
(3) تغيير الأصول الرأسمالية المًستخدِمة للطاقة (استبدال المعدات المعتمدة على النفط، تطوير البنى الأساسية، التضمين التكنولوجي، سيارات أصغر، تغييرات في تصميم المدن والتنقل، الشبكة الكهربائية، نظام النقل العام، وغيرها، مما أتاح تحولها من النفط إلى الغاز/طاقة ذرية/فحم/طاقات متجددة، الخ).
(4) السياسات الحكومية (ضرائب أعلى على الوقود/الكاربون، فرض تطبيق معايير كفاءة الاستهلاك، إعانات لحفز الاحلال، الخ).
(5) التقدم التكنولوجي (السيارات الهجينة والكهربائية، التعظيم الرقمي، تقدم تكنولوجيا توليد الكهرباء من الشمس/الريح وتخفيض كلفته، التطبيق الاختراعي innovation الصناعي، الخ؛ مما سمح، بالإضافة للسياسات الحكومية والتوجهات المجتمعية، بزيادة إحلال المصادر المتجددة وغير المتجددة، عموماً، محل النفط)….
لمواصلة القراءة يرجى تحميل ملف ب د ف سهل القراءة والطباعة على الرابط التالي:
(*) باحث وكاتب اقتصادي.
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر.
نيسان/أبريل 2026
Merza-War-in-ME-&-Future-of-Oil



مصباح كمال
هشاشة منظومة التصدير النفطي في العراق: قراءة في دروس الحرب وغياب التخطيط الاستراتيجي
دأب د علي ميرزا على المتابعة الاقتصادية لشؤون قطاع النفط العراقي. في ورقته البحثية الجديدة يقدم قراءة تحليلية لهشاشة منظومة تصدير النفط العراقي، وفيها ينير للقارئ غير المتخصص معضلة تصدير النفط. تضم الورقة أيضًا تحليلاً لجوانب متفرقة ومنها أفاق توقعات الطلب العالمي على النفط وعرض تاريخي لمنافذ تصدير النفط العراقي منذ 1934.
تكشف الورقة البحثية أن حرب الولايات المتحدة/إسرائيل على إيران أعادت تسليط الضوء على هشاشة العراق في مجال تصدير النفط، إذ أنه يعتمد بشكل شبه كامل على موانئ الخليج العربي. فمع توقف الملاحة في مضيق هرمز، انهارت قدرة العراق على التصدير، ما أدى إلى أزمة مالية واقتصادية حادة.
في عرضه للتاريخ السابق لمنظومة التصدير المرنة التي كان يتمتع بها العراق (التصدير عبر الخليج وتركيا وسوريا والبحر الأحمر، إضافة إلى الخط الاستراتيجي الذي كان يربط شمال البلاد بجنوبها) يثير أمام القارئ سؤال التدهور الذي لحق بتصدير النفط الذي لم تعمل حكومات ما بعد 2003 على معالجته. وأوضح الدكتور علي التراجع التدريجي لهذه المرونة بسبب الحروب، والعقوبات، والإهمال، والخلافات السياسية مع دول الجوار، حتى أصبح العراق في 2025–2026 يعتمد بنسبة تقارب 98% على منفذ واحد فقط هو الخليج العربي.
مع اندلاع الحرب وتوقف التصدير، انخفض إنتاج العراق من أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا إلى نحو1.6 مليون، وامتلأت المصافي بالنفط، وتوقفت إمدادات الغاز الإيراني، ما أثّر على إنتاج الطاقة الكهربائية. حاولت الحكومة إيجاد حلول عاجلة مثل النقل بالصهاريج إلى الأردن وسوريا أو استخدام خط جيهان التركي، لكن الخلاف مع إقليم كردستان حال دون ذلك، فبقيت البدائل محدودة وضعيفة التأثير.
لقد كان الدكتور علي مصيبًا في الاستنتاج أن جوهر المشكلة ليس في الحرب الحالية نفسها، بل في ضعف التخطيط الاستراتيجي داخل مؤسسات الدولة. فالعراق لم ينجح في تنفيذ مشاريع حيوية مثل خط البصرة–العقبة، أو إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، أو تطوير الخط الاستراتيجي، رغم التحذيرات المتكررة منذ عقود. كما لم تُفعَّل توصيات الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للطاقة (INES) التي دعت إلى تنويع المنافذ وتطوير الغاز والطاقات المتجددة وبناء مؤسسات تخطيط قوية (وهو ما يتطلب تحليلاً إضافيًا للعوامل السياسية وغيرها التي حالت دون تطبيقها).
إن استمرار الاعتماد على منفذ واحد يجعل العراق عرضة لأزمات متكررة كلما اهتز الأمن الإقليمي، وإن بناء منظومة تصدير مرنة ومؤسسات تخطيط فعّالة لم يعد خيارًا بل ضرورة وجودية.
من المفارقات تراجع منافذ التصدير بعد 2003 رغم زيادة الإنتاج، ونشوء خلافات جديدة في العلاقة بين بغداد وأربيل لم تحسم في نماذج للتعاون بينهما في المجال النفطي.
هذه هي الخطوط الأساسية التي التقطتها من البحث. أتوقع وأتمنى أن يقوم الدكتور علي بالمزيد من البحث في هذا المجال المعقد وخاصة بالنسبة للقارئ غير المتخصص.
6 أيار 2026
العزيز د. علي مرزا الموقر
تحية طيبة وصادقة
بوركت جهودكم على هذه الدراسة القيّمة والرّصينة والمهمّة. فهي تتضمن عرضًا لمراحل التطور التاريخي للقطاع النفطي في العراق، على المستويين الإنتاجي والتسويقي، منذ عام 1934 وحتى اليوم، مقسّمةً بحسب فترات الحكومات المتعاقبة، مع تركيزٍ خاص على تداعيات أزمة مضيق هرمز على القطاع، ولا سيما مسألة منافذ تصدير النفط.
وقد اعتمدتم أسلوبًا يجمع بين السرد التاريخي والتحليل العلمي والمعرفي للموضوع، مستندين إلى معلومات ومصادر موثوقة. كما أن تقييمكم الرصين للسياسات الاقتصادية في هذا القطاع، بإيجابياتها وسلبياتها، وتقديمكم مقترحات بنّاءة ذات أبعاد استراتيجية وطنية متكاملة للطاقة، يُعدّ إسهامًا مهمًا في هذا المجال.
وقد تكون هذه الدراسة مكمّلةً لدراسات ومشاريع استراتيجية أخرى قُدّمت في فترات سابقة في هذا السياق. كذلك خلصت الدراسة إلى نتائج إيجابية ومقترحات بنّاءة لتطوير سياسات هذا القطاع على المديين المتوسط والبعيد، وعلى مختلف مستويات أنشطته، بما يسهم في معالجة المشكلات والمعضلات التي يعاني منها القطاع النفطي في العراق، وفي مقدمتها الفخ الريعي، والفساد المستشري على مختلف المستويات الإدارية والحزبية، فضلًا عن سوء الإدارة المؤسسية.
أُثمّن عاليًا جهودكم، وهي جديرة بكل تقدير وتثمين، وأشدّ على أيديكم لمزيد من العطاء المثمر.
مع خالص التحية والتقدير
صباح قدوري