الاقتصاد العراقي الكليالرئيسيةالصفحة الأولىالمالية العامة والسياسة المالية

العجز المالي الذي تصنعه الممارسات لا الموارد محاكاة كمية للتضخيم المصطنع في أسعار العقود الحكومية استناداً إلى موازنة عام 2024‏

د. مهدي البناي:

مقدمة:‏
‏ يتكرر الجدل حول اتساع عجز الموازنة الحكومية ‏Budget Deficit، ويُعرَّف عادةً بأنه الحالة التي تتجاوز فيها ‏النفقات العامة الحكومية إيراداتها العامة خلال مدة زمنية معينة. وبحسب هذا التعريف المحاسبي، يمكن معالجة العجز ‏إما بزيادة الإيرادات أو تخفيض النفقات أو الجمع بين الخيارين‎.‎‏ لكن هذا التعريف لا يكشف وحده عن الطبيعة ‏الاقتصادية للعجز. فهناك فرق جوهري بين عجز ينشأ نتيجة تمويل استثمارات عامة منتجة، وعجز ينشأ نتيجة الهدر ‏وتضخيم العقود وسوء الإدارة‎.‎
‏ ويعزى العجز في الموازنة الحكومية العراقية عموماً الى انخفاض الإيرادات نتيجة تقلب مستوى انتاج وأسعار ‏النفط، أو تضخم فاتورة الرواتب، وتتجه الحلول دوماً الى متلازمة (العجز وتعظيم الإيرادات) حتى أصبحت كالمسلًّمة ‏التي لا تتعداها الحلول. ولا ينظر بعمق أكثر في بنود الموازنة نفسها، فربما بين سطورها حلاً ما. فالتركيز على زيادة ‏الإيرادات غير النفطية، وفرض ضرائب جديدة، أو اللجوء الى الاقتراض الداخلي والخارجي، أو تخفيض الانفاق ‏الاستثماري، هي دائما الخيارات المطروحة، لتمويل العجز، مما يعني اننا نتناول نتائج المشكلة وليس أسبابها!‏
‏ الا أن هذا المنحى يهمل سبباً آخر للعجز، يظهر في التضخيم المصطنع لأسعار العقود والمشاريع والمشتريات ‏الحكومية‎. Inflated Government Contracts‏ فإذا كانت الحكومة تدفع في بعض العقود أضعاف القيمة ‏الاقتصادية العادلة للسلع أو الأعمال أو الخدمات، فإن جزءاً من العجز لا يكون ناتجاً عن حاجة حقيقية إلى الإنفاق، ‏وإنما عن ارتفاع مصطنع في كلفة النشاط الحكومي‎.‎
‏ ان مبدأ مقارنة السعر التعاقدي بالسعر المرجعي أو السعر العادل ليس جديداً؛ فهو من صميم علم المشتريات ‏الحكومية، فالهيئات الحكومية، مثل الحكومة الأمريكية والبنك الدولي، تشترط أن يثبت مسؤول التعاقد أن السعر (عادل ‏ومعقول) من خلال تحليل الأسعار‎ Price Analysis ‎وتحليل معقولية السعر‎ Price Reasonableness ‎Analysis ‎ومقارنته بأسعار السوق أو الأسعار التاريخية أو أسعار مرجعية‎.‎
فقبل الخوض في البحث عن إيرادات جديدة، ينبغي البحث في بنود النفقات وفحصها من حيث حقيقتها وأولويتها ‏وقيمتها العادلة، وتحاول هذه الورقة الإجابة على التساؤل: هل تعكس النفقات الحكومية الواردة في الموازنة قيمتها ‏الاقتصادية الحقيقة؟ أم أن جزءاً كبيرا من العجز هو نتيجة تضخيم مصطنع في قيم العقود والمشاريع الحكومية؟
أظهرت التحقيقات الأخيرة في قضايا الفساد أن عقود المشاريع الحكومية وعقود التجهيزات السلعية والخدمية تشترك ‏جميعها بظاهرة (تضخيم) غير مبرر في قيم العقود بأضعاف مضاعفة عن قيمها العادلة في السوق. بالإضافة الى ‏شيوع ظاهرة (الإضافات التعاقدية) أي الاعمال الإضافية التي لا تستند الى حاجة فنية حقيقية، ففي حالات عديدة، تبدأ ‏العقود بقيمة أولية معينة، ثم تتبعها ملاحق تعديلية ، وأوامر تغيير ومطالبات مالية إضافية ترفع القيمة النهائية ‏للمشروع بصورة كبيرة. وقد يكون لبعض هذه التعديلات مبررات فنية مشروعة، إلا أن الإفراط في استخدامها يثير ‏تساؤلات حول كفاءة إعداد التصاميم الأولية، ودقة دراسات الجدوى، وفاعلية الرقابة على التنفيذ‎.‎
كل هذا يسبب عبئاً إنفاقياً كان بالإمكان تجنبه، وبتفشيه على نطاق واسع ، تظهر مليارات وحتى تريليونات الدنانير ‏كعجز في الموازنة. ‏
وهنا تتشكل فرضية تستحق الدراسة ، وهي أن جزءاً كبيراً من العجز هو ليس نتيجة لنقص الإيرادات ، بل نتيجة ‏لممارسات إنفاقية مبالغ بها. فالتضخيم المصطنع في قيمة العقود الحكومية يؤدي الى عجزٍ ماليٍ تصنعه الممارسات لا ‏الموارد.‏

لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:

د مهدي البناي محاكاة كمية للتضخيم المصطنع في أسعار العقود الحكومية

الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية

التعليق هنا

%d مدونون معجبون بهذه: