د. سهام يوسف:
في الخطاب الاقتصادي العراقي يستحضر النموذج النظري بوصفه مرجعية معيارية للحكم على السياسات, تُطرح الأفكار وكأنها حقائق مطلقة : التوسع في الإنفاق العام يحفّز الطلب الكلي، وأن تحرير الأسعار يحقق كفاءة تخصيص الموارد، وأن توسيع القاعدة الضريبية يعزز الاستدامة المالية، وأن الخصخصة ترفع الإنتاجية عبر آليات السوق. هذه الأطروحات متماسكة ضمن أطرها النظرية، سواء في التحليل الكينزي أو في المدرسة الكلاسيكية الجديدة. غير أن الإشكالية لا تتعلق بسلامة النموذج، بل بالفجوة بين التصميم النظري والتنفيذ الفعلي..
فكل نموذج نظري ، يقوم ضمنيًا على افتراض توافر بنية مؤسسية قادرة على الامتصاص والتنفيذ: استقرار في القواعد، وضوح في حقوق الملكية، جهاز إداري كفوء، بيانات دقيقة، وأسواق ذات درجة معينة من المنافسة. حين تُنقل هذه النظريات من سياقاتها الأصلية إلى سياق يفتقر إلى هذه الشروط، ، تظهر فجوة واضحة بين النتائج المتوقعة والنتائج المتحققة.
هنا تبرز الواقعية المؤسسية بوصفها إطارًا تحليليًا يركّز على القدرة الاستيعابية للمؤسسات، وعلى اتساق الحوافز داخلها، وعلى كلفة المعاملات التي تتحكم في سلوك الفاعلين الاقتصاديين. فهي لا تكتفي بالسؤال عن كفاءة الأداة، بل تفحص مدى جاهزية البيئة المؤسسية لتشغيلها.
في الإطار الاقتصادي، يعني ذلك أن نجاح أي نموذج ،ليس مسألة منطق نظري فحسب، بل مسألة شروط مؤسسية سابقة. فالتوسع المالي، أو تحرير السوق، أو الإصلاح الضريبي، جميعها تفترض جهازًا إداريًا قادرًا على التنفيذ، ونظام معلومات موثوقًا، وآليات رقابة فعّالة، وحوافز داخلية منضبطة. وفي غياب هذه الشروط تتحول السياسة، مهما بلغت أسسها النظرية، إلى إجراء محدود الأثر.
خذ مثلاً الفكرة الكينزية عن زيادة الإنفاق الحكومي ، يُفترض أن زيادة الإنفاق العام تولّد أثر المضاعف عبر تحفيز الطلب الكلي. غير أن حجم هذا المضاعف يتحدد بدرجة الانكشاف الخارجي للاقتصاد. ففي اقتصاد يتمتع بقاعدة إنتاجية متماسكة، يكون الميل الحدي للاستيراد منخفضًا نسبيًا، ما يحد من ظاهرة التسرب الخارجي.ففي اقتصاديات صناعية متقدمة مثل الولايات المتحدة أو ألمانيا، يؤدي الإنفاق إلى توسّع داخلي في الإنتاج لأن سلاسل القيمة متجذّرة محليًا والقطاع الخاص قادر على الاستجابة.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
الاقتصاد العراقي بين النموذج النظري والواقع المؤسسي الدكتورة سهام يوسف

دكتوراه في الاقتصاد الدولي، المدرسة العليا للإحصاء والتخطيط، وارشو، بولندا. تقيم حالياً في المغرب


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية