د. مظهر محمد صالح:
يواجه العراق في المرحلة الراهنة تحديًا مركبًا يتجاوز حدود الاقتصاد التقليدي، ليقع في قلب تفاعل معقد بين الجغرافيا السياسية وديناميكيات سوق الطاقة العالمية. فمع اعتماد أكثر من 85% من صادراته النفطية على المرور عبر مضيق هرمز، بات الاقتصاد العراقي عرضة لصدمات خارجية لا يملك السيطرة عليها، رغم كونه خارج نطاق الصراع المباشر. هذه الهشاشة البنيوية تحولت، مع تصاعد التوترات، إلى قيد فعلي على قدرة العراق في الحفاظ على استقراره التصديري.
تأتي هذه التطورات في وقت شهدت فيه الأسواق النفطية ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار نتيجة اختناقات العرض وتراجع المخزونات لدى الدول الصناعية، ما أتاح فرصًا ربحية استثنائية لعدد من المنتجين داخل وخارج أوبك+. غير أن العراق، بدل أن يستفيد من هذه الطفرة، تكبد خسارة مزدوجة: تراجع في الكميات المصدرة، وضياع فرصة الاستفادة من الأسعار المرتفعة. وبذلك، وجد نفسه في وضع أقرب إلى “اللعبة الصفرية zero sum game ”، حيث تتحول مكاسب الآخرين إلى خسائر مباشرة له.
في مواجهة هذا الواقع، برز خيار تخفيض أسعار النفط العراقي كأداة لاستعادة التوازن التسويقي. تقوم هذه السياسة على تقديم خصومات سعرية ملموسة لتعويض المشترين عن مخاطر النقل والتأمين، والحفاظ على العلاقات التعاقدية مع الزبائن الاستراتيجيين، خصوصًا في الأسواق الآسيوية. من الناحية النظرية، يمثل هذا التوجه محاولة للخروج من منطق الخسارة الكاملة عبر الحفاظ على تدفق الصادرات، حتى وإن كان ذلك على حساب جزء من الإيرادات.
غير أن هذا الخيار، رغم وجاهته الظرفية، ينطوي على مخاطر اقتصادية لا يمكن تجاهلها. فالخصم السعري الكبير يعني عمليًا التنازل عن جزء من العوائد السيادية، ما يضغط على الموازنة العامة ويقيد القدرة على تمويل الإنفاق العام. كما أن الأسواق النفطية بطبيعتها حساسة للتوقعات؛ إذ قد يؤدي استمرار الخصومات إلى ترسيخ “سعر منخفض مرجعي” للنفط العراقي، يصعب تعديله لاحقًا حتى بعد زوال الأزمة.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
د مظهر, خصومات أسعار النفط العراقي بين ضرورات السوق ومخاطر التنازل


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية