صدر حديثا عن دار جسد كتاب لعضو شبكة الاقتصاديين العراقيين الدكتورة سلام سميسم (عندما يكون الفقر مؤنثًا) دراسة اقتصادية في الفقر الجندري.
ينطلق كتاب «عندما يكون الفقر مؤنثًا» من إشكالية اقتصادية واجتماعية جوهرية تتمثل في أن الفقر لا يتوزع بصورة متكافئة بين النساء والرجال، وأن تفسيره لا يمكن أن يقتصر على انخفاض الدخل أو محدودية الموارد، بل يستلزم تحليل البنى الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي تنتج التفاوت في فرص الوصول إلى الموارد والتحكم بها.
ويطرح الكتاب رؤية تحليلية للفقر الجندري بوصفه ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل في تكوينها اختلالات سوق العمل، والتفاوت في الأجور، وضعف الملكية الاقتصادية للنساء، واتساع العمل غير المنظم، فضلًا عن الأعباء غير المدفوعة للرعاية والعمل المنزلي، وما تفرضه من قيود على الوقت المتاح للمرأة للمشاركة في النشاط الاقتصادي.
ويتناول الكتاب مفهوم فقر الوقت باعتباره أحد الأبعاد غير المرئية للفقر، إذ إن تخصيص النساء ساعات طويلة للعمل غير المدفوع يؤدي إلى تقليص فرصهن في التعليم والتدريب والعمل المأجور، ويؤثر بالتالي في استقلالهن الاقتصادي وقدرتهن على تكوين الأصول والثروة.
كما يناقش الكتاب أوضاع النساء المعيلات لأسرهن، والنساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي، والنساء في المناطق الريفية والهامشية، مع تحليل العلاقة بين الهشاشة الاقتصادية وضعف الحماية الاجتماعية واستمرار انتقال الفقر بين الأجيال.
ولا يقتصر الكتاب على تشخيص الظاهرة، بل يتجه إلى بناء مقاربة اقتصادية لسياسات الحد من تأنيث الفقر، من خلال الربط بين التمكين الاقتصادي للنساء، وإعادة توزيع فرص الإنتاج والدخل، وتطوير منظومات الحماية الاجتماعية، وتعزيز الاستثمار في رأس المال البشري.
ومن أبرز الإضافات البحثية التي يقدمها الكتاب «مؤشر سميسم لتأنيث الفقر» (SIFP)، بوصفه محاولة لبناء أداة قياس مركبة تستوعب الأبعاد المختلفة للحرمان الاقتصادي الذي تتعرض له النساء، وتتجاوز الاقتصار على المؤشرات النقدية التقليدية للفقر، بما يتيح إطارًا تحليليًا لدراسة الفجوات الجندرية وتقييم السياسات الاقتصادية الموجهة لمعالجتها.
ويتناول الكتاب كذلك العلاقة بين التمكين الاقتصادي للنساء وآليات المضاعف والمعجل الاقتصادي، انطلاقًا من أن تحسين أوضاع النساء الاقتصادية لا يمثل هدفًا اجتماعيًا فحسب، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لتحفيز الطلب الفعال، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.
وتتمثل الأطروحة الأساسية للكتاب في أن تأنيث الفقر ليس نتيجة حتمية لندرة الموارد، وإنما يرتبط أيضًا بكيفية توزيع الموارد والفرص والأعباء الاقتصادية داخل المجتمع، وأن معالجة هذه الظاهرة تتطلب الانتقال من السياسات التعويضية المحدودة إلى سياسات اقتصادية هيكلية تعالج مصادر إنتاج الفقر وإعادة إنتاجه.
وبذلك يسعى الكتاب إلى الإسهام في تطوير النقاش الاقتصادي حول الفقر الجندري، وإعادة إدماج قضايا النساء ضمن التحليل الاقتصادي الكلي والسياسات التنموية، مع اهتمام خاص بواقع المرأة العراقية والتحديات البنيوية التي تواجه مشاركتها الاقتصادية.


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية