السياسة النقديةجدل اقتصادي

ا. د. محمود محمد داغر: تعقيب على مقالة الدكتور مظهر محمد صالح: الركود الاقتصادي في العراق

يتالق الزميل د. مظهر في تحليل الجانب النقودي من ازمة الركود التي يمر بها العراق والتي تتشابه من حيث مؤشراتها ( تباطؤ نمو- بطالة لكن مزمنة- استقرار نسبي في الرقم القياسي وما يعكسه من انخفاض في معدل التضخم) لكنها تختلف في وتيرتها وعمقها عن الاقتصادات الاخرى والمراحل الاخرى بسبب تباين الاختلالات من جهة والمعالجات التي عكستها السياسات الاقتصادية للعقد المنصرم.

ارغب في استكمال التحليل النقودي بايجاد الفرق في نتائج المرحلتين قبل التغيير وبعده ، وبتحليل  اقتصادي حقيقي يساعد في تفسير الاختلاف المتحقق من ظاهرة الهروب من العملة الى السلع والخدمات في المرحلة السابقة الى ظاهرة الهروب من النقد المحلي الى النقد الاجنبي ثم اعادة التدوير مرة اخرى كلما سنحت الفرصة للشركاء.

 ان التمويل الهائل للعجز في المرحلة السابقة رافقه وجود فرص بديلة ممكنة في القطاع الحقيقي الزراعي والصناعي وغيرها مما ساعد في انتقال التدفق النقدي الى هذه القطاعات مع مغالات في اسعار هذه السلع بشكل متراكم ، وولد معه التضخم الجامح الذي مر به الاقتصاد العراقي انذاك ، وبالتالي فان وجود منفذ لتسرب خزان العرض النقودي نقل الاثر النقدي الى القطاع الحقيقي باثر تضخمي كبير. بينما انسداد التسرب لخزان النقود باتجاه القطاع الحقيقي وتوقف النشاط الحقيقي بابسط صوره دفع الى نقل مكونات خزان العملة المحلية الى خزان اخر للعملة الاجنبية طالما ان عملية النقل هذه محمية بفعل سعر صرف مدافع عنه.

اتفق مع اخي الدكتور مظهر بان ظاهرة الانتقال من فخ السيولة المحلي الى فخ العملة الاجنبية قائم ،ولكنه ليس بسبب اثر الفائدة الموجب( وهو تعبير مجازي للدكتور) كاملا ولكنه بسبب تاثير التوقعات الاقرب للمؤكد والخالية من المخاطرة نقوديا، طالما ان هنالك توقع بان السلطة النقدية تنظف وتزيلClearing التاثير السالب للانفاق العام المخاطرٌRisky خلال عقد تقريبا. وبالتالي اعتقد ان ثمة حرب اسعار صرفExchange rates war تدار من قبل شركاء محليين وخارجيين يدركون ذلك جيدا. بسبب اطمئنانهم الى ثبات توجهات البنك المركزي في الدفاع عن الدينار العراقي وعبر استنزاف جزء مهم من الاحتياطيات العراقية للعملة الاجنبية.

اي ان السياسة النقدية انتقلت من حالة الدفاعDefensive عن التدهور للاقتصاد خلال المرحلة السابقة وقبول رتم عالي مهلك من التضخم ،الى سياسة نقدية هجومية Offensive ساعدتها الاحتياطيات في لجم التضخم، ولكن حتى متى يستمر ذلك في ظل تعطل الاقتصاد الحقيقي ،لا بل التجرؤ على امكانيات الاقتصاد الكلي العراقي عبر موازنات لا تعير انتباها الى القيود الاقتصادية.

ويمكن ان نستشف من الاشارات التي اوردها الدكتور عن السيولة العامة : ان استقلالية المركزي التي اريد منها كبح جماح Repression الانفاق العام في العراق الممول نفطيا خشية تاثيره السابق واللاحق تحولت في المدة الاخيرة الى ممول شرعي لعجز جزافي في الموازنة العامة وعن طريق القطاع المصرفي وليس مباشرة ،بل ولعب دور غير مناط بها وباهدافها او ادواتها(فرض ضريبة؟) متناسين قصور السوق المالية العراقية ،وضعف شديد في الية انتقال الاثر للسياسة النقدية في العراق ، لغياب العمق المالي. وبالتالي  التخلي عن سياسة الكبح باتجاه تيسير المضاربة وتاجيج حركة توقعات هي للمؤكد اقرب منها لاحتمالية المخاطرة.

          ان تسهيل مهمة وصول الخطاب الاقتصادي  المجدي للاخرين يتطلب الانتقال من محاولة التركيز على ماهو نقودي الى ماهو حقيقي، ونقصد بذلك القطاعات السلعية والخدمية ، التي انهت السياسات الاقتصادية المعاصرة حتى ما هو قائم منها ،وتحويل السلطة المالية لانظار المجتمع العراقي المنهك نحو وعود برفاهية انتهت مع اول تحول سوقي للنفط من سوق تصاعدي باسعاره الى سوق هبوطي. والمصيبة ان الوعود قامت على منحى نقدي واسيرة توقعات سرمدية لقوة العملة الوطنية ، مستمدة من رهانهم بدوام ارتفاع اسعار النفط. ولا شك ان بناء قطاعات حقيقية وارساء سياسات نموها اصعب من اللجوء لاحتياطيات اجنبية متنامية، الا انها اكثر جدوى في تحقيق استدامة النمو الحقيقي للاقتصاد العراقي.

ببساطة متناهية ان الارتكاز على الدينار العراقي والسلطة النقدية وسعر الصرف وعرض النقد في اقتصاد لا يعمل اقتصاده الحقيقي باليات متعددة، لا يعقد التحليل الاقتصادي بل يعقد الحل الاقتصادي المطلوب. لذلك الموازنة ثم الموازنة ثم النقود،والا التدهور ثم التدهور ثم انهيار العملة الوطنية.

(*) أستاذ علم الاقتصاد، جامعة بغداد- رئيس قسم التمويل والمصارف

الاراء الواردة في كل المواد المنشورة على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين لاتعكس بالضرورة رأي هيئة التحرير وانما رأي صاحبها وه الذي يتحمل المسؤولية العلمية والقانونية

حقوق النشر محفوظة لشبكة الإقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 29/7/2015

الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية

تعليقات (3)

  1. Avatar
    مصطفى محمد ابراهيم:

    السلام عليكم
    الى الاستاذ خالد اسماعيل ناصر الولي
    اؤيدك بان المصارف العراقية لازالت تقدم خدمات مصرفية تقليدية ودون المستوى المطلوب ولكن ارجو التاكد من المعلومة بان البنك المركزي العراقي مؤسسة دولية ونقدية تراقب عمل المصارف ولكن تعليمات البنك المركزي العراقي لاتنص على تقديم كفيل او شاهد في فتح الحساب الجاري وانما هذه التعليمات تصدر من قبل مجلس ادارات المصارف ،اما بخصوص تحويل المبالغ بالدولار من قبل المصارف مقابل استيراد بضائع فتعليمات البنك المركزي العراقي تنص على تحويل المبالغ بالدولار ولكن تخضع الى مكتب غسل الاموال وفق مبدأ (اعرف زبونك) وان قرار امتناع المصارف من تحويل المبالغ بالدولار ليس من قبل البنك المركزي العراقي وانما قرار من ادارات المصارف
    مع التقدير
    مصطفى محمد ابراهيم
    باحث اقتصادي

    • Avatar
      خالد اسماعيل:

      الاستاذ العزيز الباحث الاقتصادي مصطفى محمد ابراهيم المحترم
      اشكر توضيحكم و اود ان ابين لحضرتك حدث معي في المصرف العراقي للتجارة و مصرف بغداد عندما كنت اروم فتح حساب جاري اخبرتني الاخوات الموظفات بان تعليمات البنك المركزي العراقي تنص على شروط وجود كفيل او شاهد تعريف و بامكان الاخوة البنك المركزي العراقي زيارة الاخوان في المصرف العراقي للتجارة فرع المسبح و مصرف بغداد الفرع الرئيسي و الغاء هذه التعليمات و فسح المجال امام المواطنين لفتح حساب جاري و بكل يسر اسوة بكل دول العالم اما بخصوص منع التحويل الخارجي بسبب غسيل الاموال فلااعتقد تشمل مبالغ مائة دولار او مائتين دولار او خمسمائة دولار حيث حاولت شراء نموذج كركم من الهند عجزت من اي مصرف حكومي و اهلي لتحويل 170 دولار الا من خلال شركات للتحويل المالي و دفع عمولة 100 دولار اقترح من البنك المركزي العراقي اعادة النظر بذلك والمفروض تشمل مبالغ الملايين من الدولارات و بالاخص مزاد بيع العملة حيث لم اشاهد من خلال زيارتي لخارج العراق اي بلد يستخدم بيع العملة و اقترح الاستعانة بخبراء مصرفيين عالميين و اسوة بمصارف و بنوك العالم المختلفة مع التقدير و الاحترام خالد اسماعيل ناصر الولي مدير فني اقدم متقاعد 07722325790 07901308658

  2. Avatar
    خالد اسماعيل:

    تحية طيبة
    اود ان اوضح مشكلة كبيرة بالعراق تتلخص بتعليمات البنك المركزي و تبدا من فتح الحساب الجاري الذي تنص التعليمات وجود كفيل او شاهد تعريف ( اي من المصارف بالعالم اوروبا اسيا افريقا امريكا الجنوبية تعمل بهذا المبدا ) و هناك مشكلة اخرى في منح القروض المصرفية و التسهيلات و كذلك في حالة رغبتك بشراء اي مادة نموذج او سلعة صغيرة من الخارج بمبلغ مائة دولار او مائتين دولار يتطلب تدفع عمولة بقدر المبلغ و كذلك المصارف الحكومية و الاهلية تمنتع عن تحويل هذه المبالغ بسبب تعليمات البنك المركزي و بالمقابل نسمع و نشاهد يوميا بيع ملايين الدولارات بالمزاد بسعر مدعوم اي متابع للشان الاقتصادي يستنتج ان تعليمات البنك المركزي لا تصب بمصلحة المواطن البسيط بل لمصلحة الشركات المالية الكبيرة و هذا يتطلب معالجة من قبل السيد رئيس الوزراء و السيد محافظ البنك المركزي
    اقترح اخذ تجارب الدول المتقدمة بنظر الاعتبار و نقل الخبرات المفيدة للعراق حيث بالرغم من حديثنا المتكرر عن البنوك و المصارف الا انها مازالت تقدم خدمات مصرفية قليلة لاتتناسب مع الخدمات المصرفية القياسية المعتمدة عالميا
    مع التقدير
    خالد اسماعيل ناصر الولي
    07722325790
    07901308658

التعليق هنا

%d مدونون معجبون بهذه: