الاقتصاد العراقي الكليالرئيسيةالصفحة الأولى

الإدارة الاقتصادية، السوق، القطاعين العام والخاص والعملية التنموية في العراق

د. علي مرزا‎*‎

أولاً: مقدمــة
ورد في منهاج الإدارة الحكومية الحالية (المنهاج الوزاري)، في فترة التكليف، التي أعقبها منح ثقة مجلس ‏النواب في 14 أيار/مايو 2026، فيما يخص العملية التنموية، هدف، مُرحب به، يتمثل في بناء اقتصاد ‏وطني متنوع وقادر على التكيُّف مع المتغيرات ويقلل من آثار التعرض للصدمات الخارجية‎ ‎وتعزيز الثقة في ‏البيئة الاستثمارية وتمكين القطاع الخاص وبيئة الأعمال بوصفهما محركاً أساسياً للنمو والتشغيل، واعتماد مبدأ ‏التنافسية ومنع الاحتكار‎.‎‏ وكذلك بناء برنامج وطني شامل للإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد الإداري ‏والمالي، وإصلاح الشركات العامة. إلى آخره من الاصلاحات. هذا إضافة لتنويع منافذ تصدير النفط الذي ‏برز، فعلياً، “غيابها” أثناء “صدمة” أغلاق مضيق هرمز وبقاء العراق بدون بديل كاف لتصدير النفط خلاله، ‏مرزا (2026). وفي الحقيقة فإن أي عملية تنموية، لا سيما من قبل إدارة حكومية جديدة، ينبغي أن تتخللها ‏شعارات تبين توجهها خلال المرحلة القادمة.‏
إن أي توجه ينبغي ان يكون مؤسس على تقييم موضوعي يظهر منه ما ينبغي أن يتم تبنيه من مسار ‏جديد و/أو تعديل مسار تَبَيَّن أنه لم يكن المسار الكافي. وهذا لا يتوفر إلا أذا كانت هناك دراسات وبحوث ‏ظهر منها ذلك، ويشمل ذلك توصيف المسار القائم ثم صياغة المسار المُعدل. ومن صياغة المسار المُعدل ‏تُستخلص شعارات العمل الحالي والمستقبلي، خلال الأمدين المتوسط والبعيد.‏
ومن الجدير الإشارة إلى أن دور الإدارة الاقتصادية (الحكومية) في المنهاج الوزاري بحاجة إلى ‏توضيح وترصين تفصيلي أكبر في العملية التنموية. لذلك من المناسب تفصيل هذا الدور في المنهاج/المناهج ‏القادمة، بما في ذلك وضع خطة/خطط اقتصادية جدية، لتحقيق تنمية مستدامة، يكون دور الإدارة الاقتصادية ‏فيها قائداً فاعلاً، ولا يقتصر على فسح المجال لعمل السوق وتشجيع القطاع الخاص، الخ. كما أن من المناسب ‏الإشارة إلى أنه سادت خلال العقود الماضية، في العديد من مؤسسات التمويل والمراكز الأكاديمية ومراكز ‏الرأي الدولية، سردية جدلية باتجاه قيادة السوق/القطاع الخاص لعملية التنمية. ولقد استُخلصت هذه السردية، ‏اصلاً، من تجربة الدول الرأسمالية المتقدمة، وانطوت، بجوانب منها احياناً، على مبالغة في دور السوق/القطاع ‏الخاص، حتى في تلك الدول. وسنشير لهذا الدور، عموماً، في فقرات هذه الورقة لنتوصل إلى أن العملية ‏التنموية عملية معقدة تتطلب دوافع وتوجهات تنموية للمؤسسية السياسية كقائد للعملية التنموية وفي الإطار ‏الذي ترسمه والذي يمكن من خلاله حشد جهود القطاعين العام والخاص، وآلية السوق، لتحقيق تنمية ‏مستدامة. وسأستعين، في هذه الورقة، بنظريات النمو الاقتصادي الحديثة التي انطوت على هذه التوجهات، من ‏ناحية، والتجربة الشرق آسيوية التي هي، من وجهة نظري، مناسبة ومفيدةً للدول النامية ومنها العراق، عموماً، ‏من ناحية أخرى‎.‎‏ ‏
لمواصلة القراءة يرجى تحميل ملف ب د ف سهل القراءة والطباعة على الرابط التالي:‏
‏(*) باحث وكاتب اقتصادي.‏
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر.‏
حزيران/يونيو 2026.‏

Merza-Econ-Management-Market&Growth (5)

الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية

تعليقات (3)

  1. Avatar
    مصباح كمال:

    ملاحظات حول التجربة التنموية وآفاقها في العراق

    عزيزي د علي

    يسرّني أن أجد في هذا الحوار ما يؤكد مجددًا أهمية أن تقوم النقاشات الفكرية على مناقشة الأفكار ‏لا الأشخاص وأن تُبنى على احترام متبادل يتيح لكل طرف أن يقدّم ما لديه من رؤى دون ‏شخصنة أو تأويلات غير لازمة. إن التركيز على مناقشة الأفكار بدلاً من الأشخاص أحد أهم ‏المظاهر الحضارية في البيئات الفكرية الرصينة، وإن التحاور معكم يقع ضمن هذا الإطار، وإن ‏ردّكم على ما كتبته جاء باحترام أكاديمي أقدّره عميق التقدير‎.‎

    ولتوسيع دائرة الحوار، أتناول فيما يلي عددًا من القضايا الرئيسة التي أثيرت في هذا النقاش، مع ‏الإشارة إلى أن النص يتضمن قدرًا محدودًا من التكرار المقصود في بعض الحجج، وذلك لتأكيد ‏الأفكار المحورية وإبرازها في سياقات مختلفة، بما يخدم تماسك الحجة العامة وتسلسلها المنطقي‎.‎

    أعتذر عن إطالة هذا التعليق، غير أن طبيعة الموضوع وتشعب قضاياه اقتضيا هذا القدر من ‏التفصيل. ولعله كان من الأنسب لو عُرضت هذه الأفكار في صيغة مقال قصير، بما يتيح تنظيمها ‏بصورة أكثر ترابطًا وتماسكًا. آمل أن تسهم العناوين الفرعية في تيسير متابعة النص والتخفيف ‏من أثر هذه الإطالة‎.‎

    حول التجربة الشرق آسيوية وتصحيح الفهم

    أودّ أن أوضح أن استخدامي لتعبير الاستنساخ لم يكن مقصودًا به الإشارة إلى أن التجارب الشرق ‏آسيوية انطلقت من قواعد صناعية جاهزة، بل كان خطأً في التعبير والصحيح أن الدولة هي التي ‏صنعت تلك القاعدة الصناعية عبر سياسات موجّهة، وأن ما كان ينبغي قوله هو أن هذه الدول لم ‏ترث قاعدة صناعية بل بنتها بناءً تراكمياً. إن ما أردت الإشارة إليه هو أن نجاح تلك التجارب لم ‏يكن نتاج السوق وحده ولا الدولة وحدها، بل نتاج فاعل مؤسسي قوي استطاع أن يوجّه الاقتصاد ‏ويضبط القوى المعطلة ويصنع قاعدة إنتاجية مستقلة‎.‎

    أطروحة هارت لاندسبيرغ حول كوريا الجنوبية

    وفي هذا السياق أشير إلى أطروحة الاقتصادي الأمريكي مارتن هارت لاندسبيرغ حول كوريا ‏الجنوبية الذي قرأت له قبل أكثر من عقدين كتابه ‏The Rush to Development: Economic ‎Change and Political Struggle in South Korea، الذي قدّم تفسيراً نقدياً للتجربة الكورية، ‏أثّر على تفكيري. يرى المؤلف أن التنمية الكورية لم تكن معجزة سوق ولا معجزة دولة بالمعنى ‏الليبرالي، بل مشروعاً تنموياً موجهاً من الدولة اعتمد على القمع السياسي، وضبط العمالة، ‏وتوجيه التشيبول (‏Chaebol‏) لخدمة أهداف الدولة‏‎.‎
    ‎ ‎
    لم يكن رأس المال الخاص رأسمالية حرة، بل مجموعات صناعية موجّهة تعمل ضمن أدوات ‏الدولة عبر القروض الميسّرة، والحماية من المنافسة، والتوجيه الاستثماري الصارم، واستهداف ‏التصدير. كانت الدولة تختار “الفائزين” من بين هذه المجموعات وتدعمهم بقوة، ما جعل القطاع ‏الخاص تابعاً لا مستقلاً. هذا النموذج الهجين—دولة قوية، ورأس مال تابع، وقوة عمل ‏منضبطة—هو الذي أنتج التحول الصناعي السريع‎.‎

    غياب الفاعل المؤسسي‎ (Agency) ‎في العراق

    لا توجد في العراق جهة تمتلك القدرة البنيوية والسياسية على توجيه مسار الاقتصاد وصياغة ‏مشروع تنموي وتنفيذ سياسات قادرة على تغيير البنية القائمة. لا أقصد بالفاعل مؤسسة حكومية ‏بالمعنى الإداري، بل فاعلاً تاريخياً مؤسسياً قد يكون دولة تنموية، أو طبقة صناعية، أو ‏بيروقراطية مهنية، أو تحالفاً اجتماعياً قادراً على فرض خيارات تنموية تتجاوز القيود البنيوية ‏والريعية والسياسية‎.‎

    غياب الـ ‏agency‏ يعني غياب القوة القادرة على حمل مشروع التحول الاقتصادي‎―‎أي غياب ‏الإرادة المنظمة، والقدرة التنفيذية، والاستقلال النسبي عن المصالح المُعطِّلة، والانضباط ‏الاقتصادي اللازم. فوجود الموارد والخطط لا يكفي دون فاعل قادر على تحويلها إلى مسار ‏تنموي فعلي‎.‎

    في كوريا الجنوبية، شكّلت الدولة العسكرية بقيادة بارك تشونغ هي هذا الفاعل―جهاز ‏بيروقراطي منضبط، قدرة على توجيه الائتمان، فرض سياسات صناعية صارمة، بناء تحالف مع ‏التشيبول، وقمع القوى المعطِّلة (النقابات العمالية، الأحزاب المعارضة). هذا الفاعل هو الذي ‏حوّل اقتصاداً فقيراً يعتمد على تصدير الشعر البشري والمنسوجات الرخيصة إلى اقتصاد ‏صناعي متقدم‎.‎

    أما في العراق، فالدولة مجزأة (دولة محاصصة طائفية إثنية)، والقطاع الخاص ريعي، ‏والبيروقراطية ضعيفة، والتحالفات الاجتماعية غير قادرة على حمل مشروع تنموي. القطاع ‏الخاص الريعي يعتمد في أرباحه على الوصول إلى موارد الدولة—عبر التجارة، الوساطة، ‏الاستيراد، المقاولات الحكومية، والخدمات المالية قصيرة الأجل—بينما يغيب الاستثمار ‏الصناعي المنتج والبحث والتطوير وبناء سلاسل القيمة المحلية، وكذلك تدني مستويات التعليم في ‏مختلف المراحل (دراسات د محمد الربيعي). لذلك لا يوجد فاعل قادر على تحويل الموارد إلى ‏تنمية‎.‎

    نماذج أخرى للـ‎ Agency ‎التنموية

    في الصين بعد 1978، شكّلت القيادة السياسية بقيادة دنغ شياو بينغ فاعلاً تاريخياً أعاد توجيه ‏الاقتصاد من التخطيط المركزي إلى اقتصاد سوق موجّه، مع الحفاظ على سيطرة الدولة على ‏القطاعات الاستراتيجية. هذا التحالف بين الحزب والدولة امتلك الإرادة والقدرة على تنفيذ ‏التحول‎.‎

    وفي اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لعبت وزارة التجارة والصناعة الدولية‎ (MITI)‎‏ دور ‏الفاعل الذي صاغ مشروعاً صناعياً متكاملاً، موجهاً الائتمان نحو صناعات محددة، وحامياً ‏الشركات الناشئة، وموجهاً القطاع الخاص نحو أهداف قومية طويلة الأمد‎.‎

    أما في ألمانيا الغربية، فقد شكّل التحالف بين الدولة والاتحادات الصناعية والنقابات العمالية ‏نموذجاً مختلفاً للـ‎ agency ‎يقوم على التوافق الاجتماعي والمؤسسية العالية، مما سمح بإعادة بناء ‏الاقتصاد بسرعة عبر نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي‎.‎

    يشترك النموذج السوفيتي للتنمية في ثلاثينيات القرن العشرين مع النماذج الشرق آسيوية في ‏منطق عام واحد هو مركزية الدولة كفاعل تنموي سلطوي قادر على تعبئة الموارد، وضبط ‏المجتمع، وتوجيه الاستثمار نحو قطاعات محددة. في الحالتين، كانت الدولة هي القوة التاريخية ‏التي تقود التحول الاقتصادي، وتخضع القوى الاجتماعية التي قد تعيق مشروعها، وتفرض ‏انضباطاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً صارماً‎.‎

    لكن رغم هذا التشابه البنيوي، تختلف التجارب الشرق آسيوية عن النموذج السوفيتي في عناصر ‏حاسمة: فقد دمجت كوريا الجنوبية واليابان والصين بين توجيه الدولة وبين آليات السوق، ‏واعتمدت على القطاع الخاص الموجّه، وعلى المنافسة العالمية، وعلى التكنولوجيا الأجنبية، ‏وعلى استراتيجية تصدير منفتحة على الاقتصاد العالمي. أما النموذج السوفيتي فكان يقوم على ‏ملكية الدولة الكاملة، والتخطيط المركزي الصارم، واقتصاد مغلق، وحوافز بيروقراطية لا ‏سوقية، ما أدى إلى اختناقات هيكلية وضعف في السلع الاستهلاكية وانهيار لاحق‎.‎

    بذلك يمكن القول إن الاقتصادات الشرق آسيوية أخذت من السوفييت منطق الدولة التنموية ‏القوية، لكنها أعادت صياغته داخل اقتصاد سوق موجّه ومنفتح عالمياً، وهو ما جعل نتائجها أكثر ‏مرونة واستدامة مقارنة بالنموذج السوفيتي الذي بقي محكوماً بقيود التخطيط المركزي والاقتصاد ‏المغلق

    العراق بعد 2003: غياب المؤسسية التنموية‏

    إن السؤال الجوهري في تحليل التنمية العراقية هو ما إذا كان العراق يمتلك فاعلاً اقتصادياً يشبه ‏ذلك الذي قاد التحولات الكبرى في التجارب الشرق آسيوية. فبعد عام 2003 افتقر العراق إلى ‏المؤسسية القادرة على حمل مشروع تنموي، إذ جرى تفكيك الدولة، وإضعاف البيروقراطية، ‏وتحويل القطاع الخاص إلى وسيط ريعي مرتبط بالإنفاق العام، وغابت الرؤية الاقتصادية طويلة ‏الأمد. غير أن الأنظمة ما قبل 2003، رغم ما يوجَّه لها من نقد، كانت تمتلك قدراً من الرؤية ‏التنموية، من مجلس الإعمار في الخمسينيات إلى الخطط الخمسية بعد 1958، وهي مؤسسات ‏حاولت بناء قاعدة إنتاجية وطنية وإن كانت محدودة‎.‎

    في السبعينيات، ومع الارتفاع الكبير في أسعار النفط بعد 1973، دخل العراق مرحلة ما عُرف ‏بـالخطة الانفجارية التي أتاحت للدولة موارد مالية غير مسبوقة، فشرعت في تنفيذ مشاريع ‏واسعة للبنية التحتية والتعليم والصحة والصناعة والزراعة. لكن هذه الخطة، رغم طموحها، ‏كانت تعتمد على التوسع المالي السريع أكثر من اعتمادها على بناء مؤسسات إنتاجية مستقلة أو ‏قطاع خاص صناعي قادر على الاستمرار. لقد قامت على وفرة الريع لا على قاعدة إنتاجية ‏مستدامة، وهو ما جعلها عرضة للانهيار عند أول صدمة سياسية أو مالية‎.‎‏ وهذا هو جوهر الفرق ‏بين التجربة العراقية في السبعينيات والتجارب الشرق آسيوية: فالدول الآسيوية بنت مؤسسات ‏إنتاجية تراكمية قادرة على الصمود والتطور، في حين اكتفى العراق ببناء مشاريع ممولة بالريع ‏دون تأسيس بنية إنتاجية مستقلة يمكن أن تحمل التنمية عبر الزمن.‏

    وفي هذه الفترة تحوّل الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد أوامري مركزي يقوم على التوجيه المباشر، ‏وقبل ذلك التأميم الواسع (1964)، وتضخم دور الدولة في كل القطاعات، وتراجع دور السوق، ‏وتهميش القطاع الخاص المنتج. لم يكن هذا النموذج اقتصاداً تنموياً بالمعنى الشرق آسيوي، بل ‏اقتصاداً سلطوياً يعتمد على الريع النفطي لتمويل جهاز الدولة والحزب والأجهزة الأمنية، مع ‏غياب التخطيط المهني وتسييس القرارات الاقتصادية وتوجيه الموارد نحو الحروب بدل التنمية. ‏ومع الحرب العراقية الإيرانية ثم غزو الكويت والعقوبات، انهارت البنية الإنتاجية التي بدأت ‏تتشكل في السبعينيات، وتآكلت البيروقراطية المهنية، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد بقاء لا اقتصاد ‏تنمية‎.‎

    وعندما وصل العراق إلى عام 2003، كان قد فقد الفاعل المؤسسي القادر على حمل مشروع ‏تنموي─ الدولة منهكة ومجزأة، البيروقراطية ضعيفة ومسيّسة، القطاع الخاص ريعي وغير ‏منتج، والتحالفات الاجتماعية عاجزة عن فرض رؤية اقتصادية. وبعد الاحتلال، جرى تفكيك ما ‏تبقى من مؤسسات الدولة، وتكريس اقتصاد المحاصصة، وتحوّل القطاع الخاص إلى وسيط ‏للريع، وغابت الرؤية التنمويةً. وهكذا، لم يمتلك العراق بعد 2003 أي شكل من أشكال “الوكالة ‏التنموية” التي ميّزت التجارب الشرق آسيوية أو حتى بعض مراحل التنمية العراقية قبل ‏السبعينيات.‏

    آفاق التنمية: إمكانات كبيرة، لكن بشروط

    لا يعني هذا التشخيص أن العراق يفتقر إلى مقومات التنمية أو يعجز عن تحقيقها، بل على ‏العكس، فهو يمتلك موارد بشرية وطبيعية وفيرة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وسوقًا محلية ‏واسعة، وهي جميعها تمثل مرتكزات أساسية لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة. غير ‏أن تحويل هذه المقومات إلى نتائج تنموية ملموسة يظل رهنًا بمعالجة مجموعة من التحديات ‏البنيوية والمؤسسية التي حدّت من كفاءة الدولة وقدرتها على إدارة الموارد وتوجيهها نحو ‏التنمية. ومن أبرز هذه التحديات انتشار الفساد المالي والإداري، واستمرار نظام المحاصصة ‏الطائفية والإثنية في إدارة مؤسسات الدولة، بما أفرزه من إضعاف لمعايير الكفاءة والجدارة في ‏شغل المناصب العامة، وتغليب الاعتبارات السياسية على متطلبات التخطيط التنموي. كما أن ‏استمرار تأثير الجماعات المسلحة غير الخاضعة بالكامل لسلطة الدولة في بعض جوانب المشهد ‏السياسي والأمني ينعكس سلبًا على استقرار البيئة المؤسسية، ويؤثر في استقلالية القرار العام، ‏ويحد من قدرة الدولة على إنفاذ القانون وتهيئة مناخ ملائم للاستثمار والتنمية، إضافة إلى دورها ‏في تسهيل نهب المال العام في المنافذ الحدودية وغيرها.‏

    وفي ضوء ذلك، فإن تحقيق تنمية مستدامة في العراق يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة على ‏أسس مؤسسية ومهنية، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون، ومكافحة الفساد من خلال ‏آليات فعالة للشفافية والمساءلة، إلى جانب إصلاح المالية العامة بما يقلل الاعتماد على الإيرادات ‏النفطية، وتبني سياسات صناعية وزراعية واضحة تسهم في تنويع القاعدة الإنتاجية. كما تبرز ‏الحاجة إلى إعادة هيكلة منظومة التعليم والتدريب المهني بما يتلاءم مع متطلبات سوق العمل، ‏وتنظيم الاقتصاد غير الرسمي وإدماجه تدريجيًا في الاقتصاد الرسمي، فضلًا عن اعتماد رؤية ‏تنموية طويلة الأمد تتجاوز الأفق الزمني للحكومات المتعاقبة، وتستند إلى توافق مؤسسي ‏ومجتمعي يضمن استمرارية السياسات العامة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة‎.‎

    لماذا لم تحدث طفرة تنموية بعد 2003 في العراق؟

    لم تحدث طفرة تنموية في العراق بعد عام 2003 لأن البلاد افتقرت إلى الفاعل المؤسسي القادر ‏على حمل مشروع اقتصادي طويل الأمد، وهو العنصر الذي شكّل جوهر التجارب التنموية ‏الناجحة في كوريا الجنوبية والصين واليابان وألمانيا وغيرها، حيث لعبت الدولة أو التحالفات ‏الاجتماعية الاقتصادية دوراً موجهاً للتنمية، وضبطت القوى المعطِّلة، ووجهت الاستثمار نحو ‏بناء قاعدة إنتاجية مستقلة. أما في العراق، فقد جرى تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف ‏البيروقراطية المهنية وتكريس اقتصاد المحاصصة، فتحول القطاع الخاص إلى وسيط ريعي ‏مرتبط بالإنفاق العام. ورغم وفرة الدراسات والنصائح التي قدّمها الاقتصاديون العراقيون، فإن ‏الطبقة الحاكمة لم تُبدِ اهتماماً بها لأنها تستفيد من بنية الريع ولا ترى في التنمية مشروعاً يخدم ‏مصالحها أو يعزز سلطتها. وفي غياب فاعل مؤسسي يمتلك الإرادة والقدرة على تحويل الموارد ‏إلى مؤسسات إنتاجية، يظل الاقتصاد العراقي أسير الريع، وعاجزاً عن تكرار الطفرات التنموية ‏التي شهدتها الاقتصادات التي امتلكت دولة تنموية أو تحالفاً اجتماعياً قادراً على فرض رؤية ‏اقتصادية واضحة.‏

    حول وصفة الانتظار

    أنا لا أرى نفسي قادراً على تقديم نصائح خارج مجال اختصاصي في التأمين، رغم ما كتبته في ‏هذا المجال ولم يلق الاهتمام الرسمي، غير أن ما يواجهه الاقتصاديون العراقيون من تجاهل ‏رسمي واسع لنصائحهم يوضح أن المشكلة ليست في نقص المشورة أو ضعفها، بل في طبيعة ‏البنية السياسية نفسها التي لا تجد في الإصلاح الاقتصادي ما يخدم مصالحها. فالنصائح الجادة ‏غالباً ما تتضمن دعوة إلى إصلاحات تمسّ مصالح القوى الحاكمة، مثل تقليص الريع وضبط ‏الإنفاق وبناء مؤسسات مستقلة وتقوية البيروقراطية وإصلاح القطاع الخاص وإعادة هيكلة ‏الاقتصاد بعيداً عن المحاصصة، وهي تغييرات تهدد بنية السلطة القائمة ولذلك تُهمل مهما كانت ‏رصانتها أو صدقيتها. وفي هذا السياق أقدّر ملاحظتكم بأن التركيز على الشروط البنيوية قد يُفهم ‏بوصفه دعوة للانتظار، لكن ما قصدته ليس تعليق العمل بل الإشارة إلى أن أي برنامج تنموي لا ‏يمكن أن ينجح دون فاعل مؤسسي قادر على حمله، فالمشكلة في العراق ليست في نقص النصائح ‏بل في غياب الجهة القادرة على تنفيذها أو تبنّيها، وهو ما يجعل تجاهل الطبقة الحاكمة لهذه ‏النصائح أمراً مفهوماً لأنها تتضمن إصلاحات تمسّ مصالح القوى السياسية نفسها.‏

    مع خالص التقدير والاحترام.‏

    مصباح كمال
    ‏12 تموز 2026‏

  2. Avatar
    علي مرزا:

    عزيزي أستاذ/مصباح كمال المحترم،
    شكراً جزيلاً على مداخلتك القيمة على ورقتي: “الإدارة الاقتصادية، السوق، القطاعين العام والخاص – والعملية التنموية في العراق”، لا سيما وأنك باحث متمرس ومعروف. وفي الحقيقة فأني أقدر طريقتك في تناول النقاش ومنها ورقتي، لان مداخلتك فيها مواقف واضحة ويمكن نقاشها بموضوعية.
    أود أن ابين، ابتداءً، انني لا اختلف مع بعض مما طرحته فيها، ولكني اختلف مع بعض آخر. وفي كل الأحوال فأن الاختلاف لا يفسد للود قضية. لذلك أرجو التفضل بملاحظة ما يلي:
    أولاً: هناك عدم دقة في التوصيف، في المداخلة، الذي يتضمن (أي التوصيف) أن ما “أهدف أليه”، في الورقة، هو “استنساخ التجربة الشرق آسيوية”، وهذا غير صحيح. فلم يرد في ورقتي غير التوصية “بالاستفادة منها” وليس استنساخها. وكان دافعي هو عرض تجربة بعض الدول الآسيوية كمثالاً لتنمية ناجحة تمت من خلال تعاون القطاعين العام والخاص، في سوق موجه، بتوجيه إدارة اقتصادية قوية. وعَرَضْتُ ذلك مقابل دعوات “الاعتماد على السوق”، التي تتضمن، بشكل أو بآخر، دوراً أقل فعالية ومبادرة للإدارة الاقتصادية. وفي التجربة الشرق آسيوية هناك تفاعل مثمر بين دور الدولة والسوق والقطاعين العام والخاص، الخ. فالأمر هو ليس دعوة لاستنساخ التجربة الشرق أسيوية وإنما اخذها كمثال ناجح والاستفادة منها قدر الإمكان. مع الإشارة إلى أن استخدام تعبير “الاستنساخ”، الغير وارد في الورقة أصلاً، يساهم في استباق pre-empt النقاش.
    ثانياً: أما مسألة الشروط الأولية والظروف والعوامل التي أدت إلى نجاح التجربة الشرق آسيوية، عموماً، من بين عوامل عديدة أخرى، فقد كان لوجود دوافع تنموية وتحالفات اجتماعية/سياسية/اقتصادية فعالة دور أساسي في النجاح. ولكن لم يكن هناك، بالضرورة، قواعد صناعية ملموسة فيها (سواء في البنى الأساسية للصناعة أو وجود “طبقة” صناعية، وهو تعبير لم تحدد المداخلة معناه بدقة)، قبل الانطلاق، في مسار النمو والتنمية، بالدرجة والتعميم اللذان تتضمنهما المداخلة. لنأخذ، على سبيل المثال، دول، وردت في ورقتي (بجانب دول آسيوية أخرى)، مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية، وإندونيسيا، الخ. لقد كانت هذه الدول/المناطق قبل عام 1960، تتسم بما يلي باختصار شديد، عموماً (أرجو مراجعة المصادر المذكورة في ورقتي عنها):
    (أ‌) ماليزيا كانت لديها قاعدة اقتصادية وصناعية ولكنها كانت تتركز في معالجة الموارد الطبيعية ومنها النفط الخام.
    (ب) كوريا الجنوبية كان لديها قاعدة صناعية محدودة ومتضررة بسبب الحرب.
    (ج) إندونيسيا كان اقتصادها يعتمد بشكل أساس على تصدير المواد الخام وفي مقدمتها النفط الخام.
    ثالثاً: إذا قورنت هذه الدول، قبل انطلاقها في مسار النمو والتنمية، بالهيكل الاقتصادي والصناعي في العراق، لا سيما الإضافات الصناعية الملموسة خلال سبعينيات القرن الماضي وحتى قبلها (راجع كتابي وأوراقي المنشورة المذكورة في الورقة حول الهيكل الاقتصادي/الصناعي في العراق، الخ)، يلاحظ ما يلي:
    (أ‌) لم تكن هذه الدول متقدمة صناعياً بما يفوق العراق سواء من حيث البنى الأساسية الصناعية أو “الطبقة الصناعية”. مع العلم أن نموها ونمو العراق كان غير مستدام (قبل انطلاق كوريا الجنوبية في أوائل الستينيات وماليزيا وإندونيسيا في السنوات التالية، في مسار النمو/التنمية المستدامة).
    (ب‌) كانت إندونيسيا دولة منتجة ومصدرة للنفط الخام واتسمت بخصائص الدولة الريعية (النفطية). واستمرت في عضويتها في منظمة أوبك من 1962 إلى 2008. وأوقفت العضوية في 2008 حين أصبحت مستورد صاف للنفط، بالرغم من استمرار انتاجه. النقطة الأساسية هي أن إندونيسيا حين بدأت انطلاقتها التنموية في أثناء السبعينيات كانت تتسم بالعديد من خصائص “الريعية”. وحتى ماليزيا كانت لديها بعض سمات الدولة الريعية.
    (ج) كانت ماليزيا دولة مختلفة الأعراق والأثنيات وتتسم بالخلاف السياسي والأثني.
    رابعاً: أما النقاش بأن التقدم سوف لن يحدث إلا بتغيير جذري في المؤسسية السياسية وتغيير البنى الاقتصادية الخ (والتي تم العرض حولها في المداخلة بدون تحديد او تفصيل)، على رصانة الطرح، فهو وصفة للانتظار، ولم يتم في المداخلة تحديد من سيقوم بذلك. كما اعتقد أن العرض ينطوي على مبالغة في التنظير و”الحتمية” وربما “الادلجة”، بالرغم من رجاحة متطلب بعض مُهم من هذا التغيير. وبالمحصلة أعتقد أنا ما ورد في المداخلة هو فعلياً “وصفة” لعدم القيام بأشياء ملموسة، بما في ذلك تقديم النصح والتوصية في المجال الاقتصادي/التنموي. فكما ساهَمَتْ توصيات البنك وصندوق النقد الدوليين ربما في تحجيم دور الإدارة الاقتصادية لوضع خطط وتنفيذ سياسات وبرامج واجراءات ملموسة في مجال التنمية والتنويع الاقتصادي، بحجة ان “السوق” سوف يقوم بها، فأن الانتظار حتى تتوفر “الشروط” التي وردت في المداخلة، عموماً بدون تحديد واضح، سيأخذ وقت “غير معلوم” ونتائج سلبية مشابهة. إن وضع الأمور بهذا الشكل العام غير المحدد قد يقارب “الأمر التعجيزي”.
    خامساً: لقد ناقشتُ/تناولتُ مسائل عديدة حول العراق ومنها مسألة الريعية بتفصيل مناسب، وأمتد التناول إلى الهيكل الاقتصادي والمؤسسي والظروف السياسية والاقتصادية والمجتمعية ذات العلاقة بالنمو والتنمية، الخ، في كتابي عن العراق وفي أوراقي المنشورة قبله وبعده لحد الآن وأشرت إلى بعضها في الورقة (بما فيها روابط تقود بسهولة لتنزيل الأوراق إلكترونياً)، وبعض ما فيها يتماشى مع بعض ما ذكر في المداخلة. لذلك لم أر حاجة لتكرار ذلك في ورقة من أهدفها الأساسية الدعوة لبرنامج أنمائي مستدام، لتحقيق نمو مستدام، مع تقديم أمثلة حية للتنمية والنمو تفيد جداً في النقاش والتطبيق.
    سادساً: وفي سياق مشابه، أود التذكير أن الدور/الدافع الإصلاحي/التنموي لدينغ شياو بينغ، الذي قاد تعاون القطاعين العام والخاص والسوق والانفتاح على العالم، في الصين، “نَبَعَ” من داخل المؤسسية القائمة والحزب الحاكم في الصين، بعد اضطرابات “الثورة الثقافية”. كما أنه استطاع أن ينشأ تحالفاً سياسياً واجتماعياً، من هذه المؤسسية والحزب الحاكم، للسير في مسار التقدم والنمو الاقتصادي، والذي لا زال قائماً إلى يومنا هذا، بعد رحيله. وكان الرجل لا يستهدف فقط استيراد التكنولوجيا وما يماثل بعض البنى المؤسسية من العالم المتقدم، الى آخره، ولكن كان أيضاً يستشير حتى “الاقتصاديين اللبراليين الرأسماليين” ويرى/يختار هو وحلفاءه، ما يلائم الصين منها. مع أن الرجل لم يكن، بالضرورة، “أسير إطارٍ تنمويٍّ ليبراليًٍّ”، بالرغم من أنه وصِفَ كذلك، من قبل بعض خصومه، والذي كان أقرب إلى وصف شخصاني وليس حجة مهنية. ولكن رغم ذلك بالنتيجة تحققت تنمية مستدامة باهرة في الصين. هذا بالرغم من أن العديد من التحليلات، في وقته، حتى من قبل مهنيين مرموقين، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع، استبعدت ذلك. وبعضها يماثل analogous ما ورد في المداخلة.
    سابعاً: في الختام مع اتفاقي مع بعض مما طرح في المداخلة، ولكن تطبيق ما طرح، والذي يتضمن، بصورة غير مباشرة، حتى عدم تقديم نصح ودفع/تشجيع الإدارة الاقتصادية للقيام بعملية التنمية، وإيراد الأمثال لها لا سيما تجربة الدول الشرق آسيوية الناجحة، بحجة ان ذلك “دعوة للاستنساخ”، وكذلك ما يتضمن الانتظار حتى “تنضج الأمور”، غير المحددة في المداخلة، فهو وصفة قد لا تكون مثمرة، من وجهة نظري.
    مرة ثانية شكراً جزيلاً على قراءة الورقة ومداخلتك القيمة التي افادتني في ابراز قضايا اتاحت المجال لنقاش مهني موضوعي، كعادتك الممتازة في إثارة المواضيع الأساسية الرصينة.
    مع الود والتقدير.

  3. Misbah Kamal
    Misbah Kamal:

    دور الدولة في التنمية الاقتصادية

    يقدم لنا د علي ميرزا في هذه الدراسة المهمة رؤية يمكن أن تشكل إطارًا عاما لرسم سياسة تنموية للعراق قائمة على التخطيط المهمل منذ الاحتلال الأمريكي للعراق. وتقوم هذه الرؤية على عرض الخطوط العامة للتاريخ الاقتصادي للعراق منذ الاحتلال العثماني.

    تتأسس أطروحة د علي مبرزا على رؤية تؤكد أن التنمية الاقتصادية في العراق لا يمكن أن تتحقق عبر السوق أو القطاع الخاص وحدهما، وأن الدولة يجب أن تضطلع بدور قيادي قوي، مستلهمةً نماذج شرق آسيا. ورغم وجاهة هذا الطرح في نقد سردية السوق، فإن مقاربته تبقى أسيرة إطارٍ تنمويٍّ ليبراليٍّ معدّل، يتجاهل البنية الطبقية للدولة الريعية في العراق، ويتعامل معها كفاعل محايد يمكنه قيادة التنمية بمجرد توفر الإرادة السياسية والمؤسسات الفعّالة.

    تُظهر التجارب الآسيوية أن التنمية ليست نتاج قرارات تقنية أو خطط إدارية معزولة، بل نتيجة تفاعل معقّد بين الدولة والاقتصاد والمجتمع ضمن شروط تاريخية وجيوسياسية محددة. ورغم حضور هذه التجارب في النقاش العراقي، فإن مقارنتها بالواقع المحلي تكشف فجوة بنيوية واسعة تجعل استنساخها غير قابل للتحقق دون تغييرات عميقة في طبيعة الاقتصاد والدولة. فالدولة العراقية تعمل داخل اقتصاد ريعي يعتمد على مورد واحد، وتؤدي وظيفة توزيع الموارد أكثر مما تؤدي وظيفة إنتاجها، وهو ما يجعل مؤسساتها عرضة للزبائنية ويحدّ من قدرتها على فرض الانضباط الاقتصادي أو توجيه الموارد نحو التصنيع. وفي حين لعبت الدولة في شرق آسيا دورًا إنتاجيًا مباشرًا، إذ فرضت الانضباط على رأس المال وربطت التمويل بالأداء الصناعي ووجّهت الاقتصاد نحو التصدير، فإن الدولة العراقية لم تستطع القيام بهذا الدور بسبب طبيعة اقتصادها الريعي.

    وبعبارة أخرى فإن هيمنة طبقة ريعية زبائنية وغياب قاعدة صناعية وطنية قادرة على حمل مشروع إنتاجي، تصبح الدولة جهازًا لتوزيع الريع لا كأداة للتصنيع، ما يجعل الشروط التي سمحت بنجاح شرق آسيا غير موجودة. لذلك فإن استنساخ التجربة الآسيوية دون تغيير جذري في البنية الاقتصادية يظلّ أمرًا صعبُا إن لم يكن مستحيلًا، لأن التنمية لا تتحقق عبر الخطط والإرادة السياسية وحدهما، بل عبر وجود قاعدة إنتاجية تمتلك مشروعًا تاريخيًا ودولة قادرة على تبنيه وفرضه.

    إن التجارب الآسيوية نجحت لأنها امتلكت قاعدة صناعية وطنية صاعدة يمكن للدولة أن تبني عليها، بينما يفتقر العراق إلى طبقة صناعية وطنية تمتلك مشروعًا للتصنيع أو قطاع إنتاجي يشكّل قاعدة اجتماعية واقتصادية للتنمية. وفي ظل هذا الغياب، يصبح الحديث عن قيادة قوية للدولة غير مكتمل، لأن القيادة لا يمكن أن تنجح دون قاعدة اقتصادية تستجيب لسياساتها. ورغم أن دور القيادة السياسية في التجارب الآسيوية كان مهمًا في صياغة الرؤية التنموية وبناء التحالفات وضمان استمرارية السياسات، فإن هذا الدور لم يكن العامل الوحيد في نجاح تلك التجارب، بل ارتبط في كثير من الحالات بسياسات قسرية وانضباط اجتماعي صارم وتقييد للحريات السياسية بدرجات متفاوتة، كما في كوريا وسنغافورة، أو بهيمنة سياسية واضحة كما في الصين وفيتنام (وقد أشار د علي إليها). يمكن للقيادة في العراق أن تلعب دورًا مهمًا في توجيه التنمية، لكن هذا الدور سيظل محدودًا ما لم بجرِ العمل على تغير البنية الاقتصادية والمؤسسية التي تعمل ضمنها الدولة.

    ويكشف الإرث المؤسسي العراقي أن ضعف المؤسسات ليس مجرد مشكلة إدارية يمكن تجاوزها عبر إصلاحات تقنية، بل نتيجة تاريخ طويل من اقتصاد زراعي–ريعي لم ينتج طبقة اقتصادية قادرة على بناء دولة حديثة. فالإصلاح المؤسسي في العراق يصطدم دائمًا بالبنية الريعية التي تعيد إنتاج الضعف المؤسسي مهما كانت الخطط أو الإرادة السياسية. ويظل الريع النفطي العامل البنيوي الأكثر تأثيرًا في مسار التنمية، لأنه يمنع تشكّل قطاع صناعي تنافسي، ويعزز الزبائنية السياسية، ويجعل الدولة فوق المجتمع بدل أن تكون جزءًا من عملية الإنتاج، ويربط الاقتصاد بالسوق العالمي بطريقة تجعل التصنيع صعبًا ومكلفًا. ومن دون معالجة هذا العامل البنيوي، ستبقى أي رؤية تنموية مجرد برنامج إصلاحي محدود الأثر.

    وتتضح صعوبة استنساخ التجربة الآسيوية في العراق عند النظر إلى الشروط التي سمحت بنجاح شرق آسيا، مثل وجود قاعدة صناعية وطنية، وقدرة الدولة على فرض الانضباط الاقتصادي، وظروف جيوسياسية داعمة كالدعم الأمريكي الهائل لكوريا وتايوان خلال الحرب الباردة، واستعداد سياسي لاستخدام أدوات قسرية لضمان تنفيذ المشروع التنموي، ومؤسسات إنتاجية لا ريعية. هذه العناصر غير متوفرة في العراق، ولذلك فإن استلهام التجربة الآسيوية دون تغيير جذري في بنية الاقتصاد والدولة سيبقى مجرد خطاب تنموي لا مشروعًا قابلًا للتنفيذ.

    وإذا أرادت الحكومة العراقية بناء مسار تنموي واقعي، فإن الأولويات يجب أن تتركز على معالجة البنية الريعية بدل الالتفاف عليها، وبناء قطاع صناعي وطني تدريجيًا، وتطوير مؤسسات قادرة على فرض الانضباط الاقتصادي، وصياغة رؤية طويلة الأمد تتجاوز الدورات السياسية القصيرة، وتمكين القيادة السياسية من تنفيذ مشروع تنموي ضمن إطار مؤسسي لا يعتمد على الشخصنة.

    هذه الخطوات لا تضمن تكرار التجربة الآسيوية، لكنها تفتح الطريق نحو نموذج تنموي ملائم للواقع العراقي.

    مع التقدير العالي للدكتور علي لتنويرنا.

    مصباح كمال
    5 تموز 2026

    • Avatar
      مصباح كمال:

      ملاحظات حول التجربة التنموية وآفاقها في العراق (مصباح كمال)

      عزيزي د علي

      يسرّني أن أجد في هذا الحوار ما يؤكد مجددًا أهمية أن تقوم النقاشات الفكرية على مناقشة الأفكار ‏لا الأشخاص وأن تُبنى على احترام متبادل يتيح لكل طرف أن يقدّم ما لديه من رؤى دون ‏شخصنة أو تأويلات غير لازمة. إن التركيز على مناقشة الأفكار بدلاً من الأشخاص أحد أهم ‏المظاهر الحضارية في البيئات الفكرية الرصينة، وإن التحاور معكم يقع ضمن هذا الإطار، وإن ‏ردّكم على ما كتبته جاء باحترام أكاديمي أقدّره عميق التقدير‎.‎

      ولتوسيع دائرة الحوار، أتناول فيما يلي عددًا من القضايا الرئيسة التي أثيرت في هذا النقاش، مع ‏الإشارة إلى أن النص يتضمن قدرًا محدودًا من التكرار المقصود في بعض الحجج، وذلك لتأكيد ‏الأفكار المحورية وإبرازها في سياقات مختلفة، بما يخدم تماسك الحجة العامة وتسلسلها المنطقي‎.‎

      أعتذر عن إطالة هذا التعليق، غير أن طبيعة الموضوع وتشعب قضاياه اقتضيا هذا القدر من ‏التفصيل. ولعله كان من الأنسب لو عُرضت هذه الأفكار في صيغة مقال قصير، بما يتيح تنظيمها ‏بصورة أكثر ترابطًا وتماسكًا. آمل أن تسهم العناوين الفرعية في تيسير متابعة النص والتخفيف ‏من أثر هذه الإطالة‎.‎

      حول التجربة الشرق آسيوية وتصحيح الفهم

      أودّ أن أوضح أن استخدامي لتعبير الاستنساخ لم يكن مقصودًا به الإشارة إلى أن التجارب الشرق ‏آسيوية انطلقت من قواعد صناعية جاهزة، بل كان خطأً في التعبير والصحيح أن الدولة هي التي ‏صنعت تلك القاعدة الصناعية عبر سياسات موجّهة، وأن ما كان ينبغي قوله هو أن هذه الدول لم ‏ترث قاعدة صناعية بل بنتها بناءً تراكمياً. إن ما أردت الإشارة إليه هو أن نجاح تلك التجارب لم ‏يكن نتاج السوق وحده ولا الدولة وحدها، بل نتاج فاعل مؤسسي قوي استطاع أن يوجّه الاقتصاد ‏ويضبط القوى المعطلة ويصنع قاعدة إنتاجية مستقلة‎.‎

      أطروحة هارت لاندسبيرغ حول كوريا الجنوبية

      وفي هذا السياق أشير إلى أطروحة الاقتصادي الأمريكي مارتن هارت لاندسبيرغ حول كوريا ‏الجنوبية الذي قرأت له قبل أكثر من عقدين كتابه ‏The Rush to Development: Economic ‎Change and Political Struggle in South Korea، الذي قدّم تفسيراً نقدياً للتجربة الكورية، ‏أثّر على تفكيري. يرى المؤلف أن التنمية الكورية لم تكن معجزة سوق ولا معجزة دولة بالمعنى ‏الليبرالي، بل مشروعاً تنموياً موجهاً من الدولة اعتمد على القمع السياسي، وضبط العمالة، ‏وتوجيه التشيبول (‏Chaebol‏) لخدمة أهداف الدولة‏‎.‎
      ‎ ‎
      لم يكن رأس المال الخاص رأسمالية حرة، بل مجموعات صناعية موجّهة تعمل ضمن أدوات ‏الدولة عبر القروض الميسّرة، والحماية من المنافسة، والتوجيه الاستثماري الصارم، واستهداف ‏التصدير. كانت الدولة تختار “الفائزين” من بين هذه المجموعات وتدعمهم بقوة، ما جعل القطاع ‏الخاص تابعاً لا مستقلاً. هذا النموذج الهجين—دولة قوية، ورأس مال تابع، وقوة عمل ‏منضبطة—هو الذي أنتج التحول الصناعي السريع‎.‎

      غياب الفاعل المؤسسي‎ (Agency) ‎في العراق

      لا توجد في العراق جهة تمتلك القدرة البنيوية والسياسية على توجيه مسار الاقتصاد وصياغة ‏مشروع تنموي وتنفيذ سياسات قادرة على تغيير البنية القائمة. لا أقصد بالفاعل مؤسسة حكومية ‏بالمعنى الإداري، بل فاعلاً تاريخياً مؤسسياً قد يكون دولة تنموية، أو طبقة صناعية، أو ‏بيروقراطية مهنية، أو تحالفاً اجتماعياً قادراً على فرض خيارات تنموية تتجاوز القيود البنيوية ‏والريعية والسياسية‎.‎

      غياب الـ ‏agency‏ يعني غياب القوة القادرة على حمل مشروع التحول الاقتصادي‎―‎أي غياب ‏الإرادة المنظمة، والقدرة التنفيذية، والاستقلال النسبي عن المصالح المُعطِّلة، والانضباط ‏الاقتصادي اللازم. فوجود الموارد والخطط لا يكفي دون فاعل قادر على تحويلها إلى مسار ‏تنموي فعلي‎.‎

      في كوريا الجنوبية، شكّلت الدولة العسكرية بقيادة بارك تشونغ هي هذا الفاعل―جهاز ‏بيروقراطي منضبط، قدرة على توجيه الائتمان، فرض سياسات صناعية صارمة، بناء تحالف مع ‏التشيبول، وقمع القوى المعطِّلة (النقابات العمالية، الأحزاب المعارضة). هذا الفاعل هو الذي ‏حوّل اقتصاداً فقيراً يعتمد على تصدير الشعر البشري والمنسوجات الرخيصة إلى اقتصاد ‏صناعي متقدم‎.‎

      أما في العراق، فالدولة مجزأة (دولة محاصصة طائفية إثنية)، والقطاع الخاص ريعي، ‏والبيروقراطية ضعيفة، والتحالفات الاجتماعية غير قادرة على حمل مشروع تنموي. القطاع ‏الخاص الريعي يعتمد في أرباحه على الوصول إلى موارد الدولة—عبر التجارة، الوساطة، ‏الاستيراد، المقاولات الحكومية، والخدمات المالية قصيرة الأجل—بينما يغيب الاستثمار ‏الصناعي المنتج والبحث والتطوير وبناء سلاسل القيمة المحلية، وكذلك تدني مستويات التعليم في ‏مختلف المراحل (دراسات د محمد الربيعي). لذلك لا يوجد فاعل قادر على تحويل الموارد إلى ‏تنمية‎.‎

      نماذج أخرى للـ‎ Agency ‎التنموية

      في الصين بعد 1978، شكّلت القيادة السياسية بقيادة دنغ شياو بينغ فاعلاً تاريخياً أعاد توجيه ‏الاقتصاد من التخطيط المركزي إلى اقتصاد سوق موجّه، مع الحفاظ على سيطرة الدولة على ‏القطاعات الاستراتيجية. هذا التحالف بين الحزب والدولة امتلك الإرادة والقدرة على تنفيذ ‏التحول‎.‎

      وفي اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، لعبت وزارة التجارة والصناعة الدولية‎ (MITI)‎‏ دور ‏الفاعل الذي صاغ مشروعاً صناعياً متكاملاً، موجهاً الائتمان نحو صناعات محددة، وحامياً ‏الشركات الناشئة، وموجهاً القطاع الخاص نحو أهداف قومية طويلة الأمد‎.‎

      أما في ألمانيا الغربية، فقد شكّل التحالف بين الدولة والاتحادات الصناعية والنقابات العمالية ‏نموذجاً مختلفاً للـ‎ agency ‎يقوم على التوافق الاجتماعي والمؤسسية العالية، مما سمح بإعادة بناء ‏الاقتصاد بسرعة عبر نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي‎.‎

      يشترك النموذج السوفيتي للتنمية في ثلاثينيات القرن العشرين مع النماذج الشرق آسيوية في ‏منطق عام واحد هو مركزية الدولة كفاعل تنموي سلطوي قادر على تعبئة الموارد، وضبط ‏المجتمع، وتوجيه الاستثمار نحو قطاعات محددة. في الحالتين، كانت الدولة هي القوة التاريخية ‏التي تقود التحول الاقتصادي، وتخضع القوى الاجتماعية التي قد تعيق مشروعها، وتفرض ‏انضباطاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً صارماً‎.‎

      لكن رغم هذا التشابه البنيوي، تختلف التجارب الشرق آسيوية عن النموذج السوفيتي في عناصر ‏حاسمة: فقد دمجت كوريا الجنوبية واليابان والصين بين توجيه الدولة وبين آليات السوق، ‏واعتمدت على القطاع الخاص الموجّه، وعلى المنافسة العالمية، وعلى التكنولوجيا الأجنبية، ‏وعلى استراتيجية تصدير منفتحة على الاقتصاد العالمي. أما النموذج السوفيتي فكان يقوم على ‏ملكية الدولة الكاملة، والتخطيط المركزي الصارم، واقتصاد مغلق، وحوافز بيروقراطية لا ‏سوقية، ما أدى إلى اختناقات هيكلية وضعف في السلع الاستهلاكية وانهيار لاحق‎.‎

      بذلك يمكن القول إن الاقتصادات الشرق آسيوية أخذت من السوفييت منطق الدولة التنموية ‏القوية، لكنها أعادت صياغته داخل اقتصاد سوق موجّه ومنفتح عالمياً، وهو ما جعل نتائجها أكثر ‏مرونة واستدامة مقارنة بالنموذج السوفيتي الذي بقي محكوماً بقيود التخطيط المركزي والاقتصاد ‏المغلق

      العراق بعد 2003: غياب المؤسسية التنموية‏

      إن السؤال الجوهري في تحليل التنمية العراقية هو ما إذا كان العراق يمتلك فاعلاً اقتصادياً يشبه ‏ذلك الذي قاد التحولات الكبرى في التجارب الشرق آسيوية. فبعد عام 2003 افتقر العراق إلى ‏المؤسسية القادرة على حمل مشروع تنموي، إذ جرى تفكيك الدولة، وإضعاف البيروقراطية، ‏وتحويل القطاع الخاص إلى وسيط ريعي مرتبط بالإنفاق العام، وغابت الرؤية الاقتصادية طويلة ‏الأمد. غير أن الأنظمة ما قبل 2003، رغم ما يوجَّه لها من نقد، كانت تمتلك قدراً من الرؤية ‏التنموية، من مجلس الإعمار في الخمسينيات إلى الخطط الخمسية بعد 1958، وهي مؤسسات ‏حاولت بناء قاعدة إنتاجية وطنية وإن كانت محدودة‎.‎

      في السبعينيات، ومع الارتفاع الكبير في أسعار النفط بعد 1973، دخل العراق مرحلة ما عُرف ‏بـالخطة الانفجارية التي أتاحت للدولة موارد مالية غير مسبوقة، فشرعت في تنفيذ مشاريع ‏واسعة للبنية التحتية والتعليم والصحة والصناعة والزراعة. لكن هذه الخطة، رغم طموحها، ‏كانت تعتمد على التوسع المالي السريع أكثر من اعتمادها على بناء مؤسسات إنتاجية مستقلة أو ‏قطاع خاص صناعي قادر على الاستمرار. لقد قامت على وفرة الريع لا على قاعدة إنتاجية ‏مستدامة، وهو ما جعلها عرضة للانهيار عند أول صدمة سياسية أو مالية‎.‎‏ وهذا هو جوهر الفرق ‏بين التجربة العراقية في السبعينيات والتجارب الشرق آسيوية: فالدول الآسيوية بنت مؤسسات ‏إنتاجية تراكمية قادرة على الصمود والتطور، في حين اكتفى العراق ببناء مشاريع ممولة بالريع ‏دون تأسيس بنية إنتاجية مستقلة يمكن أن تحمل التنمية عبر الزمن.‏

      وفي هذه الفترة تحوّل الاقتصاد تدريجياً إلى اقتصاد أوامري مركزي يقوم على التوجيه المباشر، ‏وقبل ذلك التأميم الواسع (1964)، وتضخم دور الدولة في كل القطاعات، وتراجع دور السوق، ‏وتهميش القطاع الخاص المنتج. لم يكن هذا النموذج اقتصاداً تنموياً بالمعنى الشرق آسيوي، بل ‏اقتصاداً سلطوياً يعتمد على الريع النفطي لتمويل جهاز الدولة والحزب والأجهزة الأمنية، مع ‏غياب التخطيط المهني وتسييس القرارات الاقتصادية وتوجيه الموارد نحو الحروب بدل التنمية. ‏ومع الحرب العراقية الإيرانية ثم غزو الكويت والعقوبات، انهارت البنية الإنتاجية التي بدأت ‏تتشكل في السبعينيات، وتآكلت البيروقراطية المهنية، وتحول الاقتصاد إلى اقتصاد بقاء لا اقتصاد ‏تنمية‎.‎

      وعندما وصل العراق إلى عام 2003، كان قد فقد الفاعل المؤسسي القادر على حمل مشروع ‏تنموي─ الدولة منهكة ومجزأة، البيروقراطية ضعيفة ومسيّسة، القطاع الخاص ريعي وغير ‏منتج، والتحالفات الاجتماعية عاجزة عن فرض رؤية اقتصادية. وبعد الاحتلال، جرى تفكيك ما ‏تبقى من مؤسسات الدولة، وتكريس اقتصاد المحاصصة، وتحوّل القطاع الخاص إلى وسيط ‏للريع، وغابت الرؤية التنمويةً. وهكذا، لم يمتلك العراق بعد 2003 أي شكل من أشكال “الوكالة ‏التنموية” التي ميّزت التجارب الشرق آسيوية أو حتى بعض مراحل التنمية العراقية قبل ‏السبعينيات.‏

      آفاق التنمية: إمكانات كبيرة، لكن بشروط

      لا يعني هذا التشخيص أن العراق يفتقر إلى مقومات التنمية أو يعجز عن تحقيقها، بل على ‏العكس، فهو يمتلك موارد بشرية وطبيعية وفيرة، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وسوقًا محلية ‏واسعة، وهي جميعها تمثل مرتكزات أساسية لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة. غير ‏أن تحويل هذه المقومات إلى نتائج تنموية ملموسة يظل رهنًا بمعالجة مجموعة من التحديات ‏البنيوية والمؤسسية التي حدّت من كفاءة الدولة وقدرتها على إدارة الموارد وتوجيهها نحو ‏التنمية. ومن أبرز هذه التحديات انتشار الفساد المالي والإداري، واستمرار نظام المحاصصة ‏الطائفية والإثنية في إدارة مؤسسات الدولة، بما أفرزه من إضعاف لمعايير الكفاءة والجدارة في ‏شغل المناصب العامة، وتغليب الاعتبارات السياسية على متطلبات التخطيط التنموي. كما أن ‏استمرار تأثير الجماعات المسلحة غير الخاضعة بالكامل لسلطة الدولة في بعض جوانب المشهد ‏السياسي والأمني ينعكس سلبًا على استقرار البيئة المؤسسية، ويؤثر في استقلالية القرار العام، ‏ويحد من قدرة الدولة على إنفاذ القانون وتهيئة مناخ ملائم للاستثمار والتنمية، إضافة إلى دورها ‏في تسهيل نهب المال العام في المنافذ الحدودية وغيرها.‏

      وفي ضوء ذلك، فإن تحقيق تنمية مستدامة في العراق يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة على ‏أسس مؤسسية ومهنية، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون، ومكافحة الفساد من خلال ‏آليات فعالة للشفافية والمساءلة، إلى جانب إصلاح المالية العامة بما يقلل الاعتماد على الإيرادات ‏النفطية، وتبني سياسات صناعية وزراعية واضحة تسهم في تنويع القاعدة الإنتاجية. كما تبرز ‏الحاجة إلى إعادة هيكلة منظومة التعليم والتدريب المهني بما يتلاءم مع متطلبات سوق العمل، ‏وتنظيم الاقتصاد غير الرسمي وإدماجه تدريجيًا في الاقتصاد الرسمي، فضلًا عن اعتماد رؤية ‏تنموية طويلة الأمد تتجاوز الأفق الزمني للحكومات المتعاقبة، وتستند إلى توافق مؤسسي ‏ومجتمعي يضمن استمرارية السياسات العامة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة‎.‎

      لماذا لم تحدث طفرة تنموية بعد 2003 في العراق؟

      لم تحدث طفرة تنموية في العراق بعد عام 2003 لأن البلاد افتقرت إلى الفاعل المؤسسي القادر ‏على حمل مشروع اقتصادي طويل الأمد، وهو العنصر الذي شكّل جوهر التجارب التنموية ‏الناجحة في كوريا الجنوبية والصين واليابان وألمانيا وغيرها، حيث لعبت الدولة أو التحالفات ‏الاجتماعية الاقتصادية دوراً موجهاً للتنمية، وضبطت القوى المعطِّلة، ووجهت الاستثمار نحو ‏بناء قاعدة إنتاجية مستقلة. أما في العراق، فقد جرى تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف ‏البيروقراطية المهنية وتكريس اقتصاد المحاصصة، فتحول القطاع الخاص إلى وسيط ريعي ‏مرتبط بالإنفاق العام. ورغم وفرة الدراسات والنصائح التي قدّمها الاقتصاديون العراقيون، فإن ‏الطبقة الحاكمة لم تُبدِ اهتماماً بها لأنها تستفيد من بنية الريع ولا ترى في التنمية مشروعاً يخدم ‏مصالحها أو يعزز سلطتها. وفي غياب فاعل مؤسسي يمتلك الإرادة والقدرة على تحويل الموارد ‏إلى مؤسسات إنتاجية، يظل الاقتصاد العراقي أسير الريع، وعاجزاً عن تكرار الطفرات التنموية ‏التي شهدتها الاقتصادات التي امتلكت دولة تنموية أو تحالفاً اجتماعياً قادراً على فرض رؤية ‏اقتصادية واضحة.‏

      حول وصفة الانتظار

      أنا لا أرى نفسي قادراً على تقديم نصائح خارج مجال اختصاصي في التأمين، رغم ما كتبته في ‏هذا المجال ولم يلق الاهتمام الرسمي، غير أن ما يواجهه الاقتصاديون العراقيون من تجاهل ‏رسمي واسع لنصائحهم يوضح أن المشكلة ليست في نقص المشورة أو ضعفها، بل في طبيعة ‏البنية السياسية نفسها التي لا تجد في الإصلاح الاقتصادي ما يخدم مصالحها. فالنصائح الجادة ‏غالباً ما تتضمن دعوة إلى إصلاحات تمسّ مصالح القوى الحاكمة، مثل تقليص الريع وضبط ‏الإنفاق وبناء مؤسسات مستقلة وتقوية البيروقراطية وإصلاح القطاع الخاص وإعادة هيكلة ‏الاقتصاد بعيداً عن المحاصصة، وهي تغييرات تهدد بنية السلطة القائمة ولذلك تُهمل مهما كانت ‏رصانتها أو صدقيتها. وفي هذا السياق أقدّر ملاحظتكم بأن التركيز على الشروط البنيوية قد يُفهم ‏بوصفه دعوة للانتظار، لكن ما قصدته ليس تعليق العمل بل الإشارة إلى أن أي برنامج تنموي لا ‏يمكن أن ينجح دون فاعل مؤسسي قادر على حمله، فالمشكلة في العراق ليست في نقص النصائح ‏بل في غياب الجهة القادرة على تنفيذها أو تبنّيها، وهو ما يجعل تجاهل الطبقة الحاكمة لهذه ‏النصائح أمراً مفهوماً لأنها تتضمن إصلاحات تمسّ مصالح القوى السياسية نفسها.‏

      مع خالص التقدير والاحترام.‏

      مصباح كمال
      ‏12 تموز 2026‏

التعليق هنا

%d مدونون معجبون بهذه: