السياسة النقدية

سمير عباس النصيري: تطبيقات السياسات النقدية في العراق والمقترحات للمرحلة المقبلة

البنك المركزي العراقي هو المسؤول عن السياسة النقدية في العراق وتطبيقاتها وعن الدور التنموي الذي يجب ان يقوم به كموسسة سيادية رصينه في رسم وتطبيق السياسة النقدية خلال الفترة من 2004 تاريخ صدور قانونة ولغاية الوقت الحاضر مرورا بجميع مراحل الانجاز والاخفاق التي مر بها والذي حاول من خلال ماتم انجازه ان يخلق نوع من الاستقرار الاقتصادي بالرغم من عدم الاستقرار الامني والسياسي والصعوبات والظروف الموضوعية والذاتية التي كانت ترافق عمله حيث كان هناك تشابك في الخطط والسياسات . ولكن بعد ذلك اصبحت للسياسة النقدية ملامح واتجاهات واستراتيجيات واضحة اساسها تخفيض التضخم الجامح الذي اثر تاثيرا سلبيا واضحا على كل معالم الحياة الاقتصادية منذ الحصار المفروض على العراق في عام 1991 ونتيجة لما عاناه العراق من حروب واضطرابات عديدة اصبح التضخم يتصاعد بوتائر عالية قياسية حتى وصل اعلى معدلاته فتدهورت كل القطاعات الانتاجية واصبحت الفجوة كبيرة جدا بين الاجور والرواتب وارتفاع الاسعار وفي ضوء المتغيرات الكثيرة التي مر بها الاقتصاد العراقي مابعد 2003 وصدور قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004 والذي بموجبه تولى مجلس ادارة البنك المركزي العراقي اصدار اللوائح والتعليمات وحدد الاليات والادوات والتطبيقات السياسة النقدية في العراق بهدف تحقيق اهداف مركزية اساسية منها تخفيض التضخم الجامح ورفع القيمة الشرائية للدينار العراقي والمحافظة على معدلات متوازنة له بالمقارنة مع العملات الاجنبية وبشكل خاص الدولار الامريكي اضافة الى تكوين احتياطي من العملة الاجنبية وادارتها كونه الجهة المسؤولة عن اصدار العملة وحماية قيمتها في الداخل والخارج . اضافة الى ذلك يهدف البنك المركزي العراقي وفقا لما ورد بقانونه الى السعي لتحقيق الاستقرار في سعر الصرف للدينار العراقي وتعزيز الحفاظ على نظام مالي مستقر تنافسي ويستند الى السوق ويقوم بتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنمو المستدام والرخاء والرفاهية في العراق …
 
وتتمثل وظائف البنك المركزي العراقي في تحقيق الاهداف اعلاه كما يلي :

  • صياغة وتنفيذ السياسة النقدية بما فيها سياسة سعر الصرف
  • الاحتفاظ وادارة كافة الاحتياطات الاجنبية
  • ادارة احتياطي الحكومة من الذهب
  • اصدار وادارة العملة العراقية
  • مراقبة وتعزيز سلامة وكفاءة انظمة الدفع
  • اصدار التراخيص اوالاجازات للمصارف وتنظيم ومراقبة المصارف كما محدد في قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004 .

 
اهداف السياسة النقدية
وتتمثل اهداف السياسة النقدية بتحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي وخفض معدلات البطالة واستقرار اسعار السلع والخدمات واستقرار اسعار الصرف وتحسين وضع ميزان المدفوعات وتحقيق هذه الاهداف من خلال اتباع ادوات السياسة النقدية المباشرة وغير المباشرة
ويمكن تحديد اهم هذه الاهداف كمايلي :

  • الحد من التضخم

 
   ان حالة التجذر في الظاهرة التضخمية والتي اشرها التضخم الاساس والناجمة عن ضغوط الطلب الكلي ادت لا محال الى اختلال سوق النقد من حيث رغبة الجمهور في الاحتفاظ بالارصدة النقدية ازاء المعروض من تلك الارصدة مما يعكس زيادة في سرعة تداول النقود وزيادة في التوقعات التضخمية في وقت واحد اذ صارت الاخيرة المصدر الرئيس لاستمرار الظاهرة التضخمية لذلك كان هدف الحد من التضخم الجامح من الاهداف الرئيسية للساسة النقدية

  • المحافظة على توازن السوق النقدية

 
ان العمل على تقوية سعر صرف الدينار العراقي فضلا عن مواجهة ظاهرة الاحلال النقدي وما تتطلبه من توافر سياسة نقدية متشدده باتجاهين سعر الصرف والفائدة وهو سيؤثر في توازن السوق النقدية .
 

  • الاحتفاظ وادارة الاحتياطيات الاجنبية ( النقد الاجنبي والذهب )

 
من المهام الاساسية للبنك المركزي العراقي هو بناء احتياطي نقدي اجنبي بهدف تعزيز وتغطية سعر صرف الدينار العراقي وخلق الاستقرار قي السوق النقدي وهو احد مؤشرات نجاح تطبيقات السياسة النقدية .
 

  • اصلاح نظام ادارة العملة

 
ان تبنى نظام ادارة العملة اي التحول من كمية قليلة من العملة تلاحق كمية كبيرة من سعر الخدمات وهي تعبر عن مرحلة الاستقرار والنمو والازدهار وعلى هذا الاساس فان المشروع المقترح لحذف الاصفار من الدينار العراقي تطلق من اعتبارات حسن ادارة النظام النقدي والتحول من كتلة نقدية مترهلة الى كتلة نقدية سهلة التداول و الابداع
ادوات السياسة النقدية
تعتبر السياسة النقدية من ابرز السياسات الاقتصادية الهادفة الى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتثبيت معدلات سعر الصرف التي تزيد الاقتصاد الوطني قوة وفاعلية لمواجهة التحديات الاقتصادية حيث ان تحقيق احتياطي من النقد الاجنبي يبلغ حاليا بحدود 61 مليار دولار وتثبيت سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار تعتبر امرا ضروريا ومناسبا وكان لمزادات العملة الاجنبية التي يعقدها البنك المركزي العراقي دورا ايجابيا في الحفاظ على مستوى مناسب من سعر الصرف وتثبيته ودورا سلبيا في عدم السيطرة على العملة الاجنبية مما ادى الى هروب قسماً من ما يباع في فراد العملة الى الخارج وبشكل رسمي وبدون سيطرة مما اضر بالاقتصاد العراقي وقد اتخذ البنك المركزي العراقي خطوات عدة لتوسيع لائحة الادوات المتاحة للسياسة النقدية وتغطية الاحتياطي المطلوب ليشمل الودائع الحكومية ومنح التسهيلات على الودائع التي تستحق في مدة قصيرة بهدف السماح للمصارف بادارة وضع سيولتها بطريقة اكثر فعالية ويمكن تحديد اهم ماتم تحقيقه من ادوات السياسة النقدية خلال السنوات ( 2004 – 2015 ) كما يلي :
اولا : الاستقرار النسبي معدلات سعر الصرف
ان الهيكلية الحالية لاستقرار لمعدلات سعر الصرف بالرغم من الارتفاع والهبوط الى المعدلات الحالية عدة مرات خلال عامي 2014 و 2015 قد منحت فرصة للاقتصاد العراقي لاعادة بناءه ونموه النسبي على الرغم من ان الاسعار لم تستقر بشكل كامل ويعود في جانب منه الى عدم الاستقرار وطبيعة الظروف الامنية والسياسة وهبوط اسعار النفط عالميا وضعف التخطيط الاقتصادي التي يمر بها العراق حيث تمكنت السياسة التي اعتمدها البنك المركزي العراقي الى المحافظة على معدل سعر متوازن نسبيا للدينار العراقي .
ثانيا : السياسة النقدية المتشددة
ان السياسة النقدية المتشددة التي يعتمدها البنك المركزي العراقي في اطار ستراتيجية الرامية الى تحقيق هدف الاستقرار قد اظهرت ان النظام المالي المدولر اخذ يتجه نحو الانخفاض بسبب اطلاق حرية التحويل الخارجي وفق اسس وضوابط تم تعديلها عدة مرات ولكن لم يتم االسيطرة الكاملة على سوق التداول النقدي بسبب المضاربات في السوق الموازية وضعف الاليات والسياسات المعتمدة وفقدان التنسيق بين الحلقات والاجهزة الاقتصادية المختصة في العراق .
ثالثا : استقرار النظام المالي
لقد شرعت السياسة النقدية على تاسيس اطار عمل فعال يعمل صوب تقوية الثقة بالعملة المحلية على خلق ظروف قوية وعميقة في استقرار النظام المالي اي نقل تاثير الاهداف التشغيلية للسياسة النقدية الي تحقيق الاهداف الانية للسياسة نفسها
 
رابعا : الحد من الظاهرة التضخمية
يعكس الانخفاض التدريجي في الظاهرة التضخمية الاثار الايجابية لسياسة البنك المركزي العراقي في تعزيز سعر الصرف الدينار العراقي الذ اضفى اثاره القوية في استقرار اسعار السلع القابلة للتبادل والتي اشرها في الوقت نفسه التضخم السنوي الاساس ( معبرا عنه بالرقم القياسي لاسعار المستهلك ) حيث ادى هذه السياسة الى تخفيض معدلات التضخم السنوي الى 2.6% في اب عام 2015 ويتطلب من البنك المركزي العراقي اعتماد سياسة ترمي الى خفض التضخم والتصدي لاتجاهاته ومسبباته وعلى نحو يوفر استقرار نقديا اوسع وتعجيلا في معدلات النمو الاقتصادي وضمان ادامته عبر اشارتين اساسيتين وهما تعزيز سعر الفائدة الحقيقي وسعر صرف الدينار العراقي على نحو يعجل من توازن واستقرار السوق المالية والاستقرار الكلي في البلاد .
خامسا : السيطرة على مناسيب السيولة وادارتها
استنادا الى قواعد الاستقرار الاقتصادي تعمل السياسة النقدية بتحليل عرض النقد بمفهومه الضيق والواسع ووضع السيولة وتحديد عرض النقد ومكوناته بالمفهوم الواسع ( السيولة النقدية ) ولكن واقع التطبيق يؤكد ان السيطرة على مناسيب السيولة لم يتحقق بشكل كامل وفاعل وكان لهذا تأثيراته السلبية على حركة التداول النقدي وبالتالي عدم السيطرة على معدلات السيولة في حدودها الدنيا والعليا وضمن المعايير المحددة من قبل البنك المركزي العراقي .
سادسا : تحفيز المصارف للتوجه نحو السوق
تنفيذا للسياسة النقدية المعتمدة وبما يخدم توسيع نطاق الائتمان ويحقق اهداف التنمية الاقتصادية فقد استخدم البنك هذه الاداة بقصد السيطرة على السيولة النقدية من خلال توجه المصارف للتوجه نحو السوق والمساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي بمنح الائتمان النقدي لتمويل القطاعات الاقتصادية في الزراعة والصناعة والخدمات والتجارة والاسكان ولكن ظروف العراق الاقتصادية والامنية والسياسية وعدم اعطاء دور اساسي للقطاع المصرفي الخاص ادى الى ضعف قيام القطاع الخاص بقيادة السوق .
مقترحات تطبيقات السياسة النقدية للمرحلة المقبلة
 
بما ان البنك المركزي العراقي يقوم حاليا باعداد خطته للسنوات المقبلة في تطوير سياساته وبرامجه واليات عمله وبشكل خاص ما يتعلق بتطبيقات السياسة النقدية ووسائل الاشراف والرقابة على القطاع المصرفي العراقي نرى ان تتم دراسة الملاحظات والمقترحات التالية :

  • ان يقوم البنك المركزي العراقي باعادة خطته وسياساته النقدية المستقبلية حتى عام 2020 مع تاكيد هدفه الاساسي وهو معالجة التضخم ويحقق النمو المخطط في مساهمة القطاع المصرفي في الناتج المحلي الاجمالي وهذه مهمة اقتصادية مركزية كذلك من الضروري البحث عن سياسات جديدة تحقق هذا الهدف وتتيح للمصارف الحكومية والخاصة المشاركة في النمو والاستثمار وفق اليات وسياسات ممكنة التطبيق وبدون فرض سياسات مشددة واعطاء مرونات كافية .
  • معالجة الفجوة الظاهرة بين السياسات المالية للدولة والسياسات النقدية المعتمدة من البنك المركزي العراقي ومتطلبات مكافحة الضغوط التضخمية والحد من الانفاق الجاري والتنسيق في الخطط والبرامج لتحقيق انقاذ الاقتصاد العراقي من الانهيارات المالية .
  • تفعيل سياسات البنك المركزي العراقي الخاصة بالسيطرة على السياسة النقدية في دعم النظام المصرفي الخاص واعادة النظر بسياسات الاقراض واليات ادارة المخاطر الائتمانية في منح الائتمان والقروض الصغيرة والمتوسطة والاستثمار في القطاعات الانتاجية والاستثمارية التي تحقق تدفق نقدي واضح وتنعش الدورة الاقتصادية بما يساهم في التنمية الاقتصادية وتنويع الموارد المالية للموازنة العامة .
  • قيام البنك المركزي العراقي باعادة النظر بدراسة امكانية تخفيض الغطاء القانون المستقطع من حجم الودائع لدى المصارف وتجميدها لدى البنك المركزي العراقي بدون استثمار حيث ان هذه المبالغ المجمدة يمكن ان تستثمر والاستفادة منها لدعم المصارف الخاصة ويمكنها من توسيع نشاطاتها الاستثمارية والبحث عن منتجات مصرفية جديدة كما يتطلب وضع اليات لاقراض المصارف التي تعاني من ازمة سيولة خانقه بسبب الظرف الاقتصادي العام الذي يمر به العراق .
  • تطوير ودعم وتحفيز سوق العراق للاوراق المالية وايجاد الوسائل والادوات التي تدفع باتجاه وفع اسعار مؤشر السوق والشركات بما يتلائم وموجوداتها ومعايير انتاجها وارباحها بما لا يقل حتما عن قيمة الاسهم الحقيقية ومنع المضاربات التي تضر بالاصول العراقية بما لا يتناسب وقيمتها الحقيقية والفعلية .
  • قيام البنك المركزي العراقي باعادة النظر بالتعليمات الخاصة بمزاد العملة الاجنبية وتنظيم عملية بيع الدولار وتحديد دور المصارف في الوساطة بين الزبون وبين البنك المركزي اضافة الى تحدد مسؤولية وزارة التجارة ووزارة المالية ووزارة التخطيط في المخالفات التي يرتكبها بعض الزبائن وعدم تحميل المسؤولية للمصارف فقط .
  • انشاء ( صندوق ) او ( محفظة خاصة ) لشهادات الايداع تصدرها المصارف الراغبة لمعالجة تدهور اسعار الاسهم في سوق العراق للاوراق المالية واضافة ادارة مصرفية جديدة للاستثمار الحالي لتحفيز المناخ الاستثماري في السوق وكذلك زيادة حجم ودائع المصارف مما يؤدي الى زيادة نشاطاتها الاستثمارية بكافة القطاعات الاقتصادية وبالتالي تحقيق مردود ايجابي للمستثمرين .
  • قيام مجالس الادارة في المصارف باقرار ستراتيجية للمخاطر التشغيلية وتنفيذها من الادارة التنفيذية للمصرف لتضمن تحديد المخاطر التشغيلية المتعلقة بكل انواع المنتجات المصرفية . وتوفير قاعدة للمعلومات المتدفقة في المصرف والتي تلعب دورا مهما ورئيسيا في انشاء والحفاظ على اطار عمل فعال لادارة المخاطر التشغيلية ومتابعة مدى امتلاك المصارف نظام فعال لتحديد وقياس ومراقبة المخاطر التشغيلية كجزء من ادارة المخاطر .و قيام البنك المركزي باعداد تقييم منتظم ومستقل لستراتيجيات وسياسات واجراءات المصرف المتعلقة بالمخاطر التشغيلية واعتماد هذا التنظيم كاحد المعايير الاساسية لتقييم المصارف وتصنيفها
  • اعادة النظر بمخصص الديون المشكوك في تحصيلها وفقا للائحة الارشادية واعادة مرونات ومدد زمنية اضافية للمصارف لكي تتمكن من تصفية هذه الديون والتي اغلبها تعود لفترات سابقة وان اغلب المدينون هاجروا خارج مدنهم العراق لاسباب امنية خارجه عن ارادتهم وان هذه النسب تؤدي الى خفض في ارباحها المتحققة فعلا نتيجة استقطاع هذه النسب من صافي الربح وبالتالي تؤثر على نشاطات المصارف الاستثمارية الجديدة .
  • اعادة هيكلة القطاع المصرفي وخاصة القطاع المصرفي الحكومي ودراسة خصخصة بعض اقسامه وفروعه والعمل على تفعيل المصارف العاملة بتوسيع وتنويع خدماتها المصرفية خاصة زيادة حصتها الائتمانية والاستثمارية بشكل متوازن مع عوائدها الكلية لتصبح هذه المصارف ركيزة فعالة للنمو الاقتصادي على ان تبتعد عن احتكار بعض العمليات المصرفية وحجب الانشطة الحكومية والمؤسسات العامة عن المصارف الخاصة .

 
(*) باحث وخبير اقتصادي
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بالاقتباس واعادة النشر بشرط الاشارة الى المصدر. 15 / 10 / 2015
الاراء الواردة في كل المواد المنشورة على موقع الشبكة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير وانما عن رأي كاتبها وهو يتحمل المسؤولية العلمية والقانونية
 

Comment here

%d مدونون معجبون بهذه: