مصباح كمال:
مدخل
تُعدّ صناعة التأمين واحدة من أكثر الصناعات اعتمادًا على المعلومات، سواء في تقييم المخاطر أو تسعيرها أو إدارتها أو مراقبتها. ومع أن التحول الرقمي المعاصر قد أعاد تسليط الضوء على العلاقة بين التكنولوجيا والتأمين، فإن هذه العلاقة ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى اللحظة التي احتاج فيها الإنسان إلى تسجيل الالتزامات وتوثيق المعاملات وحفظ المعلومات المتعلقة بالخطر. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة العلاقة بين التأمين والتكنولوجيا باعتبارها علاقة بنيوية تتجاوز الأدوات التقنية إلى البنية المعرفية التي يقوم عليها النشاط التأميني نفسه.
يمثل كتاب باري رابكن Stone Tablets to Satellites إطارًا عامًا يساعد على فهم هذا الامتداد التاريخي، لا لأنه يقدم سردًا تاريخيًا متكاملًا، بل لأنه يسلّط الضوء على الطبيعة “الحميمة ولكن غير المريحة” للعلاقة بين الطرفين. فالتكنولوجيا ضرورية لعمل التأمين، لكنها في الوقت نفسه تفرض على الصناعة إعادة النظر في أنظمتها وعملياتها ونماذج أعمالها كلما ظهرت أداة جديدة توسّع قدرة الشركة على إنتاج المعرفة أو معالجتها أو استخدامها. ومن هنا تنطلق هذه الورقة لتقديم قراءة تحليلية للعلاقة بين التكنولوجيا والتأمين، مستفيدة من الإطار العام الذي يقدمه رابكن، دون إعادة إنتاج محتواه.
تمهيد: التأمين بوصفه تاريخًا لتكنولوجيا الخطر
لا يمكن فهم تاريخ صناعة التأمين بوصفه تاريخًا منفصلًا عن تاريخ التكنولوجيا. فالتأمين، في جوهره، ليس مجرد عقد قانوني للتعويض عن الخسائر، وإنما هو قبل ذلك وبعده طريقة اجتماعية واقتصادية لتنظيم عدم اليقين. ولكي يصبح الخطر قابلاً للتأمين، لا بد من التعرف إليه، ووصفه، وتوثيقه، وتصنيفه، وقياس احتمالاته، وتحديد من يتحمل نتائجه ومن يملك القدرة على توزيعها. ومن هذه الزاوية، تصبح التكنولوجيا جزءًا من البنية المعرفية والمؤسسية للتأمين، لا مجرد أدوات أضيفت إلى الصناعة في مرحلة متأخرة.
وهنا تكتسب العلاقة بين التكنولوجيا والتأمين طابعًا تاريخيًا أكثر تعقيدًا مما قد يوحي به الخطاب المعاصر عن التحول الرقمي أو شركات التكنولوجيا الناشئة الـInsurtech . فقبل الحاسوب والإنترنت والذكاء الاصطناعي كانت هناك تقنيات أخرى: الكتابة، والسجلات، والحساب، والخرائط، وتقنيات الاتصال والنقل، والجداول الإحصائية، والآلات الميكانيكية، ثم الحواسيب الأولى. وكل واحدة من هذه التقنيات وسّعت قدرة المؤسسات على معرفة المخاطر وتنظيمها، وفي الوقت نفسه غيّرت طبيعة العلاقات الاقتصادية التي نشأت حولها.
ومن المفيد، في هذا السياق، استحضار الإطار الذي يقدمه باري رابكين في دراسته للعلاقة ”الحميمة ولكن المحرجة” بين صناعة التأمين والتكنولوجيا. فهذه العلاقة لم تبدأ مع الثورة الرقمية، وإنما تمتد عبر تاريخ طويل من التعاون والاعتماد المتبادل، يقابله في الوقت نفسه قدر من التوتر بين البنية التكنولوجية الجديدة وبين صناعة تراكمت داخلها عقود من القواعد والعقود والبيانات والممارسات المؤسسية. وعليه، فإن السؤال الأهم ليس متى دخلت التكنولوجيا إلى صناعة التأمين، وإنما كيف غيّرت التكنولوجيا، المرتبطة بالتأمين، عبر التاريخ الطريقة التي يُعرَّف بها الخطر، ومن يملك القدرة على قياسه وإدارته والاستفادة الاقتصادية منه؟
للاطلاع و تحميل الدراسة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
Insurance Technology-Historical Perspective

باحث وكاتب عراقي متخصص في قطاع التامين مقيم في المهجر


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية