أ.د.عبدالحسين العنبكي:
يفترض في اقتصاد السوق ان المنتج رشيد وعليه فان اصحاب المولدات الاهلية الذين اقاموا مشاريعهم لإنتاج وبيع سلعة اسمها(الكهرباء) بعد ان فشلت الحكومات منذ منتصف الثمانينات في القرن الماضي الى الان من توفير كهرباء تقابل الطلب المتنامي عليها، واذا كان المنتج رشيد فانه قد درس السوق من حيث عدد المشتركين وسعر الامبير وكلفة المدخلات كالوقود والادوات الاحتياطية وكلف الصيانة وغيرها بالشكل الذي يجعل تحليل (الكلفة /العائد) يجعله اما رابحا ربح احتكاري متأتي من بعض مفاصل الدعم التي تقدمها الحكومة سواء للوقود او غيره، او انه في مرحلة الربح الاقتصادي الذي يغطي الكلف زائدا عائد المنظم، او انه في مرحلة (اقل الخسائر) في الامد القصير على امل ان يستعيد المبادرة ويتحول الى رابح، وبخلاف ذلك فانه يضطر للخروج من السوق، فمثلما دخل للسوق مختارا بقراره له الحق ان يخرج من السوق مختارا بقراره وفق مبدا ( حرية الدخول والخروج من والى السوق) ولا توجد قوى تستطيع منعه من التصرف بحقه هذا، كأن تجبره على استمرار الانتاج بخسارة، حتى يخسر راس ماله وربما ممتلكاته او يفقد مدخراته من اجل تزويد الناس بالكهرباء التي عجزت الحكومات بقضها وقضيضها من انتاج الكهرباء وايصالها للجمهور، رغم ان هذه الوظيفة بالأساس هي من وظائف الدولة وهذه الخدمة هي من الخدمات العامة التي يدفع عنها الجمهور ثمن، ولكن فشل الحكومات في هذا الملف هو الذي جعل القطاع الخاص يتولى المبادرة، وصرنا الان امام واقع ان وزارة الكهرباء بكل ما لديها من اساطيل وآليات ومعدات وشبكة نقل الكهرباء ومحطات توليد الكهرباء ومحطات نقل الطاقة والوقود ومؤسساتها التي تحوي اكثر من 200 الف موظف وبمدراءها العامين واساطيل سياراتهم ومكاتبهم وسكرتيراتهم الجميلات والقبيحات والاف المتعاقدين معهم للجباية الهزيلة، لا تعطي هذه الوزارة سوى 12 ساعة او اقل تجهيز كهرباء ، في حين ينتج اصحاب المولدات الاهلية بوسائلهم البدائية وخزاناتهم البداية ووسائل التبريد البدائية لمولداتهم واساليب الصيانة البدائية واصوات المولدات المقرفة ومداخنها الملوثة واماكنها المزاحمة للمارة وللأهالي وبالدشداشة والبايسكل ينتجون ساعات تجهيز اكثر من وزارة الكهرباء.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
المولدات الأهلية.. مثالا للتدخل الحكومي الخاطئ في الأسعار. الدكتور عبد الحسين العنبكي



أستاذي الفاضل الدكتور عبد الحسين العنبكي
مع خالص الشكر والتقدير على توضيحكم القيّم، أود التأكيد أولاً أن ملاحظتي لم تكن موجّهة إلى مضمون مقالتكم بوصفها معالجة شاملة لأزمة الكهرباء أو لبنية السوق العراقية، بل إلى الإطار التحليلي الذي اختارته المقالة في تناول قضية تسعير الأمبير. وقد جاء ردّكم ليُبرز أن المقالة كانت بالفعل تستهدف جانباً محدداً من الظاهرة، هو تدخل الدولة في تحديد الأسعار، لا معالجة جذور الأزمة أو طبيعة السوق، وهو توضيح مهم يُسهم في ضبط نطاق النقاش.
ومع ذلك، فإن الاقتصار على هذا الجانب الجزئي يطرح، من منظور أكاديمي، إشكالية منهجية تتعلق بحدود التحليل الجزئي في بيئة تتسم بتشوّه بنيوي عميق. فالنقاش حول تسعير الأمبير لا يمكن فصله تماماً عن طبيعة القطاع الذي يعمل فيه المنتج الفردي، ولا عن “غياب” الدولة الذي أتاح نشوء فضاءات احتكارية محلية. ومن هنا جاء تعليقي ليشير إلى أن تطبيق منطق السوق الرشيدة على قطاع لا تتوافر فيه شروط السوق قد يؤدي إلى نتائج تحليلية ملتبسة، حتى لو كان الهدف المباشر هو نقد آليات التدخل البوليسي في الأسعار.
إن ما تفضلتم به حول رفضكم لمفهوم المتلاعبين بالأسعار في غياب تسعير رسمي، ودعوتكم إلى عدم تفعيل الأمن الاقتصادي ، يمثل موقفاً واضحاً ضد التدخل القسري في آليات السوق، من قبل الدولة، وهو موقف له وجاهته النظرية في الاقتصادات التي تعمل وفق شروط تنافسية. غير أن الإشكال في الحالة العراقية هو أن “غياب الدولة” لا ينتج سوقاً حرة، بل ينتج فراغاً مؤسسياً تُملأه ترتيبات محلية غير تنافسية، كما في حالة المولدات الأهلية التي تعمل في فضاء احتكاري مدعوم جزئياً بالوقود الحكومي. وفي مثل هذه البيئات، يصبح التسعير الرسمي—مهما بدا قسرياً—جزءاً من محاولة الدولة التعويض عن غيابها في البنية التحتية، لا مجرد تدخل في سوق تعمل بكفاءة.
ومن هنا فإن الإشارة إلى أن مجالس المحافظات لا تمتلك أدوات دقيقة لحساب الكلفة الحقيقية للمنتج الفردي هي ملاحظة صحيحة، لكنها تكشف في الوقت نفسه مفارقة بنيوية. فالدولة تتدخل لأنها غائبة، وتُسعّر لأنها عاجزة عن إنتاج الكهرباء، وتضع حدوداً للأسعار لأنها لا تستطيع خلق سوق تنافسية. وهذا ما يجعل النقاش حول تسعير الأمبير غير قابل للفصل عن النقاش الأكبر حول طبيعة الاقتصاد الريعي، وانهيار البنية التحتية، وتفكك مؤسسات الدولة.
وعليه، فإن ملاحظتي لم تكن اعتراضاً على نقدكم للتدخل البوليسي في الأسعار، بل محاولة لإبراز أن هذا النقد، لكي يكون مكتملاً، يحتاج إلى أن يُدرج ضمن تحليل بنيوي أشمل يوضح أن المشكلة ليست في تدخل الدولة بقدر ما هي في غيابها، وأن المولدات الأهلية ليست سوقاً حرة بل تعبيراً عن اقتصاد ظلّ نشأ في “فراغ الدولة”.
إن القيمة العلمية لمقالتكم تَبقى في ما تقدّمه من وصف دقيق لمنطق اتخاذ القرار لدى المنتج الفردي، وفي ما تطرحه من معطيات واقعية حول ظروف تشغيل المولدات. غير أن هذا الوصف، كما أشرتُ سابقاً، يمكن أن يكون مدخلاً إلى مقاربات أعمق تتناول شروط تشكّل الأنماط الاقتصادية في بيئات مختلّة مؤسسياً، وهي مقاربات لا تتعارض مع نقدكم للتدخل البوليسي، بل تُكمله وتضعه في سياقه البنيوي الأوسع.
مع خالص التقدير والامتنان.
مصباح كمال
27 أيلول 2026
مصباح كمال:
حين يغيب البديل العام: مولدات الكهرباء الأهلية كنموذج للرأسمالية الرثّة لا السوق الحرة
لقد أثرى الدكتور عبد الحسين العنبكي موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين بالعديد من المقالات، تناولت قضايا اقتصادية عراقية عديدة، جمعت بين ما هو مألوف وما يقدّم مقاربات جديدة. وتأتي مقالته (المولدات الأهلية.. مثالا للتدخل الحكومي الخاطئ في الأسعار) بشأن تدخل الحكومة في تسعير الكهرباء ضمن هذا المسار من المعالجات التي تسعى إلى تقديم قراءة مختلفة لأحد جوانب أزمة الكهرباء.
لقد كُتب الكثير عن أزمة الكهرباء في العراق، ويضم موقع الشبكة بالفعل دراسات عديدة تناولت جوانبها المختلفة. وفي هذا الإطار، تندرج مقالة الدكتور عبد الحسين بوصفها إضافة إلى هذا الحقل من الكتابات التي تتناول جذور الأزمة وآليات إدارتها.
يعرض الدكتور العنبكي كيفية تفكير المنتج الفردي في بيئة يعاني فيها القطاع العام من عجز مزمن، إذ يقدّم وصفاً لآليات حساب الكلفة والعائد، وتحمّل المخاطر، واتخاذ قرار البقاء في السوق أو الخروج منه، وهي عناصر تساعد القارئ غير المتخصص على فهم منطق الوحدة الإنتاجية الصغيرة في اقتصاد مضطرب. كما تقدّم المقالة مادة وصفية عن واقع تشغيل المولدات الأهلية وظروف عملها، بما يضيف بعداً توثيقياً مفيداً للنقاش حول قطاع ظلّ يعمل خارج إطار الدولة لسنوات طويلة. ورغم أن هذه القيمة لا ترتقي إلى تحليل بنيوي متكامل، فإنها تظلّ إسهاماً يمكن البناء عليه في قراءة أكثر عمقاً لطبيعة بعض جوانب الاقتصاد العراقي.
تقدّم المقالة المولدات الأهلية بوصفها نموذجاً لمُنتِجٍ يعمل وفق منطق السوق الرشيدة، ويستند إلى فرضية أن أصحاب هذه المولدات يحددون الأسعار بناءً على تحليل الكلفة والعائد ويتحمّلون مخاطر الاستثمار، وأن تدخل الدولة في تسعير الأمبير يخلّ بكفاءة السوق ويقوّض العلاقة الطبيعية بين المنتج والمستهلك. غير أن هذا الطرح يقوم على افتراضات نظرية لا تنطبق على الواقع العراقي، إذ يُسقط نموذجاً ليبرالياً مثالياً على قطاع لا تتوافر فيه شروط السوق التنافسية، ولا يعمل في بيئة مؤسسية مستقرة تسمح بقياس الكفاءة أو الحكم على رشادة المنتج.
فالقطاع الذي تتناوله المقالة ليس سوقاً بالمعنى الاقتصادي الدقيق، بل فضاء احتكار محلي (وقد يتخذ في بعض المناطق شكلاً زبائنياً يرتبط بشبكات نفوذ محلية أو مصالح سياسية) يهيمن فيه كل صاحب مولدة على حيّ كامل، ويبيع خدمة اضطرارية في ظل غياب الدولة لا في ظل حضورها. كما أن هذا القطاع يعتمد على دعم حكومي للوقود، ما يجعل الأسعار غير سوقية أصلاً، ويقوّض الأساس التحليلي الذي تبني عليه المقالة نقدها لتدخل الدولة. ومن هنا يظهر القصور المنهجي في تحويل مشكلة بنيوية تتعلق بانهيار البنية التحتية العامة إلى مسألة تقنية تخصّ تسعير الأمبير، وكأن الأزمة العامة تُختزل في علاقة سعرية بين منتج ومستهلك، لا في طبيعة الاقتصاد الريعي وتفكك مؤسسات الدولة.
ويزداد هذا القصور وضوحاً حين تلمّح المقالة إلى أن جذور المشكلة تكمن في تدخل الدولة، بما يوحي بأن العراق يعاني من آثار اقتصاد موجّه أو من إرث اشتراكي، من دون تعريف الاشتراكية أو تحديد صلتها الفعلية بقطاع الكهرباء. هذا الإيحاء لا يستند إلى تحليل تاريخي أو بنيوي، بل يعكس انحيازاً أيديولوجياً يحمّل الاشتراكية مسؤولية الأزمة ويبرّئ السوق، رغم أن العراق منذ 2003 يعمل في إطار اقتصاد رأسمالي ريعي مفتوح على السوق، وأن المولدات الأهلية نفسها ليست نتاج اشتراكية بل نتاج انهيار الدولة وغياب الاستثمار العام. ومن ثمّ فإن ربط الأزمة بالاشتراكية، ولو تلميحاً، لا يبدو نتيجة تحليل اقتصادي، بل انعكاساً لموقف نقدي مسبق من أي دور للدولة في الاقتصاد.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى انتشار المولدات الخاصة بوصفه تعبيراً عن رأسمالية رثّة نشأت في البيئات التي تتفكك فيها الدولة، حيث يتحول كل حيّ إلى سوق مغلق يهيمن عليه رأسمالي صغير يبيع خدمة اضطرارية في ظل غياب البديل العام أو غياب المنافسة بين منتجي الطاقة الكهربائية. وهذا الشكل من النشاط الاقتصادي لا يمثل سوقاً تنافسية ولا قطاعاً عاماً، بل اقتصاد ظلّ يقوم على الاحتكار المحلي والريع والابتزاز، ويكشف أن المشكلة ليست في تدخل الدولة بقدر ما هي في غيابها.
وبهذا المعنى، فإن النقد الموجّه هنا لا ينصبّ على المقالة في ذاتها بقدر ما ينصبّ على منهجها، وعلى الافتراضات النظرية التي تحكم قراءتها للواقع. ذلك أن إعادة وضع الظاهرة في إطارها البنيوي تكشف أن تفسيرها عبر ثنائية “الدولة مقابل السوق”، أو عبر الإيحاء الضمني بمسؤولية الاشتراكية عنها، هو تفسير مختزل لا يستوعب خصوصية الاقتصاد العراقي، بل يحجب ―أكثر مما يكشف― جذور الأزمة المؤسسية والاجتماعية والتاريخية التي أنتجتها.
أما القيمة العلمية للمقالة فتكمن أساساً في محاولتها تقديم وصف أولي لمنطق اتخاذ القرار لدى المنتج الفردي العامل خارج إطار الدولة، وفي ما تطرحها من معطيات واقعية حول ظروف تشغيل المولدات الأهلية وآليات حساب الكلفة والعائد فيها. غير أن هذا الإسهام، وإن كان ذا فائدة، يظل جزئياً ووصفياً في المقام الأول، ولا يرقى إلى مستوى التحليل البنيوي الشامل إذ يكتفي برصد مظهر من مظاهر الاقتصاد العراقي دون أن يفسّر شروط تكوّنه. ومع ذلك، يمكن اعتبار هذا الطرح نقطة انطلاق يُبنى عليها في مقاربات أكثر عمقاً، تتناول طبيعة السوق وحدود الدولة وشروط تشكّل الأنماط الاقتصادية في بيئات تعاني من اختلال مؤسسي مزمن.
مصباح كمال
25 أيلول 2026
استاذي الفاضل
شكرا جزيلا لتعليقك الجميل، ولكن دعني أوضح أنني لم اقصد علاج أزمة الكهرباء في هذا المقال لان لي دراسات أخرى تغطي هذا الجانب ، ولا اقصد علاج مشكلة التنافسية والبؤر الاحتكارية التي يعج بها الاقتصاد العراقي دون اعتماد آلية السوق ولدي دراسات تغطي هذا الموضوع في مناسبات أخرى ، إنما كنت قد نصحت الحكومة مرارا وتكرارا من عدم تفعيل الامن الاقتصادي ( البوليس) الذي يجوب الأسواق ويحاسب من يسميهم المتلاعبين بالأسعار وانا أصلا لا اؤمن بوجود متلاعبين بالأسعار إلا في حال وجود أسعار محددة رسميا وهذا يعني قتل جهاز الأسعار وتحييده من ان يمارس دوره في توجيه رغبات ورؤوس اموال المنتجين والمستثمرين وانما ممكن وضع حدود دنيا وعليا لاسعار السلع فقط وفقط التي تتمتع بهامش دعم حكومي، إلا ان الحكومات المتعاقبة مصرة على ممارسة قمع وتقييد الأسعار بوليسيا ، ومن الأمثلة التي برزت حاليا على ما أقول هو موضوع سعر الأمبير الذي يبيعه المنتج من اصحاب المولدات الأهلية ، حيث قررت مجالس المحافظات بأن سعر الأمبير ١٠ آلاف دينار وهذا جيد اجتماعيا ، ولكن كيف عرف مجلس المحافظة ان هذا السعر يغطي الكلف لعناصر الإنتاج الداخلة في عملية توليد ونقل الكهرباء للجمهور في ظل ارتفاع هائل لكلف الإنتاج وخاصة مدخل الوقود التي تستخدمها المولدات وهي تعطي ١٤ ساعة بمعداتها البسيطة المتخلفة قبالة وزارة الكهرباء التي تنفق مليارات الدولارات
وعلى أساس ذلك كتبت في هذه الجزئية حصرا ولا اقصد منها معالجة كل مشاكل الاقتصاد العراقي.
مع الامتنان
أ.د.عبدالحسين العنبكي