التخطيط للتنميةالتنمية المستدامةالرئيسيةالصفحة الأولى

نظرة “دولية” تجاه دول شرق آسيوية قبل انطلاقاتها التنموية دروس وعِبَر للعراق

د. علي مرزا*‏

أولاً: مقدمــة
بعد نشر ورقتي المعنونة “الإدارة الاقتصادية، السوق، القطاعين العام والخاص والعملية التنموية في العراق” ‏في شبكة الاقتصاديين العراقيين، في 3 تموز/يوليو، 2026، مرزا (2026-ج)، أثيرت قضايا مهمة عديدة ‏حول مواضيعها المطروحة. وهنا سأتناول، اساساً، واحدة منها، وأشير إلى أخرى. وتتمثل القضية الأساسية ‏بالحكم على القابلية للقيام بالعملية التنموية اعتماداً فقط على الشروط الأولية ‏initial conditions‏ بدون ‏النظر إلى التوجهات والدوافع التنموية المتواجدة و/أو الممكنة للقيادة والمؤسسية السياسية. وبالنسبة للعراق ‏برزت هذه القضية كما يلي. لقد اتسم الأداء التنموي في العراق بتواضعه خلال العقدين المنصرمين، في ظل ‏هيكلية إدارية ومؤسسية وتكنولوجية متواضعة. هذا إضافة لاستمرار الخلاف الاجتماعي والسياسي، من ناحية، ‏والاضطراب الجيوسياسي في المنطقة، من ناحية ثانية، والفساد العام بالرغم من الخطوات الإيجابية في ‏مكافحته حديثاً، من ناحية ثالثة. ولقد دفعت هذه الحالة، عموماً، خلال هذين العقدين، من بين اعتبارات أخرى، ‏إلى الانطباع أن الإدارة الاقتصادية في العراق محدودة القابلية في القيام بمهام تنموية تنقل البلاد من الحالة ‏التنموية المتواضعة إلى طريق التنويع والتطور الاقتصادي، حتى يتم توفر شروط تتعلق بالهيكلية المشار أليها ‏وغيرها من الشروط.‏

غير أني سأناقش هنا أن مثل هذا الحكم أو النظرة، التي تتطلب، فعلياً، تَوَفِر الشروط المواتية قبل ‏القيام بالمحاولات التنموية الجادة، سادت أو أُطلقت على العديد من الدول قبل أو أثناء التفكير بالقيام بالعملية ‏التنموية الجادة فيها، لا سيما دول شرق آسيا، التي تَناوَلْتُ ثمانية منها في ورقتي المشار أليها أعلاه (اليابان، ‏كوريا الجنوبية، سنغافورة، ماليزيا، إندونيسيا، فيتنام، تايوان، الصبن). ولقد كانت هذه الدول، بشكل أو بآخر، ‏فيما بينها، قبل انطلاقها في الطريق التنموي الجاد، تتسم ببعض أو كل ما يتسم به العراق. ولقد أثبتت بعد ‏تحقيقها التقدم الباهر الذي نشاهده الآن خطأ أو محدودية النظرة التي أطلقت عليها، ولا سيما التنبؤ بفشلها.‏
وباعتقادي، وهنا، أكرر ما كتبت عنه مرارا ً، وكررته في ورقتي المشار أليها أيضاً، حول ضرورة توفر ‏التوجهات والدوافع التنموية الجادة المتواجدة و/أو الممكنة للقيادة والمؤسسية السياسية لأي عملية تنموية. فلقد ‏كان لتوفر هذه التوجهات والدوافع أثر حاسم في نجاح المحاولات التنموية في دول شرق آسيا، ونجاحها. ويمكن ‏أن يُستنتج من ذلك أن هذه التوجهات والدوافع إذا توفرت بشكل جاد ومستمر ودؤوب وخالية من الفساد وتتسم ‏بالوطنية سوف تقود البلد للتغلب على العراقيل الريعية ونقص المؤسسات والمستوى التكنولوجي المتواضع، ‏وغيرها من الشروط الأولية السلبية، عموما.‏
لمواصلة القراءة يرجى تحميل ملف ب د ف سهل القراءة والطباعة على الرابط التالي:‏
‏
‎(*)‎‏ باحث وكاتب اقتصادي.‏
حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين. يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر.‏‎
أيلول/سبتمبر 2026.‏

Merza-Past-Outlook-to-East_Asian_Countries (3)

الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية

تعليقات (1)

  1. Misbah Kamal
    Misbah Kamal:

    مصباح كمال:
    مراجعة لورقة د. علي مرزا: نظرة “دولية” تجاه دول شرق آسيوية قبل انطلاقاتها التنموية؛ دروس وعبر للعراق

    تقوم الأطروحة المركزية للورقة على أن نجاح التجارب التنموية في شرق آسيا لم يُبنَ على وفرة الموارد أو ظروف أولية مواتية، بل على إرادة تنموية جادة لدى القيادة السياسية والمؤسسات البيروقراطية، مكّنتها من تفنيد التوقعات الدولية بفشلها، وإعادة تشكيل مزاياها النسبية عبر التصنيع الموجّه للتصدير وبناء مؤسسات فعّالة. ويخلص الكاتب إلى أن العراق، رغم تشابه بعض ظروفه الأولية مع تلك الدول، لم يحقق انطلاقته التنموية بسبب غياب هذه الإرادة واستمرار الاضطراب السياسي والفساد والريعية.

    تستعرض الورقة نقداً واسعاً للتقييمات الدولية التي اعتبرت، بعد الحرب العالمية الثانية، دولاً كاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا وفيتنام وتايوان والصين حالات ميؤوساً منها بسبب الفقر البنيوي وضعف المؤسسات وانعدام الموارد. ويبيّن د. علي، عبر مراجعة تقارير البنك الدولي ودراسات غونار ميردال و راغنر نيركس، كيف أثبتت التجربة التاريخية خطأ هذه الأحكام حين بنت قيادات ذات توجه تنموي واضح مؤسسات جديدة غيّرت مسار اقتصاداتها.

    هذا الربط بين نقد النظريات السائدة وإبراز دور القيادة والمؤسسة يشكّل القوة الرئيسة في الورقة، ويضعها ضمن الأدبيات الحديثة التي تعيد الاعتبار لدور الدولة في التنمية.

    غير أن تفسير التجربة الآسيوية بالإرادة السياسية وحدها يظل قاصراً. فنجاح تلك الدول لم يكن نتاج القيادة فقط، بل نتاج تحالفات اجتماعية واقتصادية مكّنت الدولة من تحويل الإرادة إلى سياسات فعّالة: بيروقراطيات تنموية منضبطة، طبقات صناعية صاعدة، تعليم تقني متقدم، ودعم جيوسياسي واسع في سياق الحرب الباردة. هذه العناصر تظهر في الورقة دون أن تخضع لتحليل بنيوي يوضح اختلافها الجذري عن الحالة العراقية، حيث تجعل الريعية النفطية وضعف الطبقة الصناعية والانقسام السياسي بناء بيروقراطية تنموية أكثر تعقيداً مما توحي به المقارنة.

    كما تحتاج المقارنة بين العراق ودول شرق آسيا إلى قدر من الحذر. فالعراق حقق نمواً سريعاً في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وكانت حصة الفرد من الناتج المحلي عام 1960 قريبة من كوريا وماليزيا، مع قاعدة صناعية ناشئة بالفعل، قبل أن تتراجع هذه المؤشرات مع اتساع الفجوة لاحقاً. وهنا كان يمكن للورقة أن تعمّق تحليل البنية الريعية العراقية وطبيعة الدولة الزبائنية، بما يثري أطروحة غياب الإرادة التنموية.

    وتبرز نقطة نقدية أخرى تتعلق بمفهوم المزايا النسبية. صحيح أن دول شرق آسيا غيّرت مزاياها النسبية عبر التعلم والتراكم الصناعي، لكن هذا التحوّل لم يكن تلقائياً بل نتيجة سياسات صناعية دقيقة—حماية انتقائية، قروض موجهة، انضباط تصديري، واستثمار ضخم في التعليم التقني. هذه الآليات، التي تشكّل جوهر التجربة الآسيوية، لا تظهر في الورقة إلا لماماً (وهذا مفهوم لأن عرض هذه الآليات كان سيوسع الورقة خارج النطاق الذي حدده الكاتب).

    وفي السياق النظري، ربما يقترب طرح د. علي من قراءات نقدية للتجربة الكورية، مثل قراءة مارتن هارت-لاندسبيرغ (Rush to Development, 1993) الذي يرى النمو الكوري نموذجاً لرأسمالية قائمة على القمع الطبقي والتبعية العالمية وتناقضات بنيوية، حيث لعبت الدولة دوراً مركزياً في انضباط العمال قسراً ودعم التشابول chaebol والاندماج في سلاسل القيمة العالمية—وهو نمو غير مستدام، في رأي لاندسبيرغ، لقيامه على استغلال مكثّف وتبعية خارجية.

    كما يقترب موقف ها-جون تشانغ Ha-Joon Chang (Kicking Away the Ladder, 2002) من هذا الاتجاه، إذ يرى أن الدولة القوية، لا السوق الحرة، هي المحرك الأساسي للتصنيع السريع في كوريا الجنوبية، وأن النمو لم ينتج عن تحرير التجارة بل عن سياسات صناعية انتقائية شملت حماية الشركات الناشئة، وتوجيه الائتمان، وفرض الانضباط على التشابول، وتحديد القطاعات الاستراتيجية. ويؤكد أن كوريا مارست ما يسميه “ركل السُلّم”، أي أنها اعتمدت، في مسارها التنموي، على أدوات حمائية وتدخلية لتطوير صناعاتها وتحقيق التنمية، وهي الأدوات ذاتها التي كانت الدول الغربية قد استخدمتها في مراحل صعودها الاقتصادي، قبل أن تميل، بعد بلوغها مستويات أعلى من التنمية، إلى الدعوة للدول النامية إلى تبني سياسات مختلفة.

    ويقدّم ها جون تشانغ فيEconomics: The User’s Guide (2014) رؤية نقدية مبسّطة للتنمية تختلف جذرياً عن السرديات السائدة، إذ يؤكد أن التنمية ليست نتاج قوانين طبيعية للسوق، بل عملية اجتماعية وسياسية تُصنع عبر قرارات واعية تتخذها الدول. ويشرح أن البلدان التي نجحت في التصنيع—من بريطانيا إلى كوريا الجنوبية—لم تنهض عبر تحرير التجارة أو ترك السوق يعمل وحده، بل عبر سياسات صناعية حمائية، وتدخل حكومي واسع، واستثمارات كبيرة في التعليم والبنية التحتية قبل الانفتاح على الاقتصاد العالمي. ويرى أن الاقتصادات النامية لا تفشل بسبب ثقافتها أو فسادها، بل لأنها تُجبر على تبنّي وصفات ليبرالية لا تتناسب مع مرحلة تطورها. ومن هنا يخلص إلى أن التنمية تتطلب دولة فعّالة، وسياسة صناعية نشطة، ومؤسسات قادرة على توجيه السوق، وأن فهم الاقتصاد يجب أن يبدأ من التجربة التاريخية لا من النظريات المجردة―وهو ما يجسده د. علي في ورقته.

    وفي هذا السياق، يستعرض تشانغ مواقف عدد من الاقتصاديين والمدارس الفكرية ليبيّن أن فهم التنمية يستلزم النظر إلى تعددية النظريات لا إلى مدرسة واحدة مهيمنة. فهو ينتقد النيوليبراليين مثل ميلتون فريدمان لاعتمادهم على فرضية أن السوق الحر قادر وحده على تحقيق التنمية، ويشير إلى أن هذا المنظور يتجاهل التاريخ الفعلي للدول التي نجحت عبر تدخل الدولة. كما يبرز أهمية كينز في التأكيد على دور الدولة في إدارة الطلب والاستثمار، ويستعيد أفكار ماركس حول الصراع الطبقي وعدم المساواة لفهم البنى الاجتماعية التي تشكّل الاقتصاد. ويعرض أيضاً مساهمات المدرسة المؤسسية التي تربط التنمية بجودة المؤسسات، إضافة إلى شومبيتر الذي يركّز على الابتكار ودينامية الرأسمالية. ومن خلال هذا العرض، يوضح تشانغ أن التنمية لا يمكن تفسيرها بمنظور واحد، وأن التجارب الناجحة استخدمت مزيجاً من الأفكار والسياسات يتجاوز الحدود الضيقة للنظرية السائدة.

    تكمن قيمة ورقة د. علي في أنها تعيد التفكير في التنمية خارج إطار القدرية الريعية، وتذكّر بأن العراق لم يكن محكوماً بالفشل، وأن غياب القيادة التنموية الفعّالة كان عاملاً حاسماً في تعثّر مساره، كما تضع التجربة العراقية في سياق مقارن واسع ومفيد للنقاش العام. غير أن تطوير أطروحتها يتطلب دمج بُعد الإرادة السياسية مع تحليل بنيوي أعمق للطبقات الاجتماعية والاقتصاد السياسي للريعية والاختلافات الجيوسياسية، إضافة إلى تفصيل أكبر للسياسات الصناعية التي صنعت “المعجزة الآسيوية”. ومع ذلك، تبقى الورقة إضافة مهمة للنقاش الاقتصادي العراقي، وإطاراً يمكن البناء عليه في دراسات لاحقة.

    مصباح كمال
    24 أيلول 2023

التعليق هنا

%d مدونون معجبون بهذه: