د. سهام يوسف علي:
المقدمة
أصبحت الاستدامة المالية خلال العقود الأخيرة من أبرز القضايا في الأدبيات الاقتصادية، ولا سيما في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية في تمويل الموازنات العامة. فالإيرادات الريعية تمنح الحكومات قدرة واسعة على التوسع في الإنفاق وتأجيل الإصلاحات المالية، إلا أن هذه القدرة تبقى مرتبطة باستمرار تدفق المورد الريعي، مما يجعلها عرضة للتقلبات التي تفرضها الأسواق العالمية والمتغيرات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، قدم يانوش كورناي مفهوم قيد الموازنة الهش (Soft Budget Constraint) لتفسير سلوك الوحدات الاقتصادية التي لا تتحمل بصورة كاملة نتائج قراراتها المالية، بسبب توقعها الحصول على الدعم أو الإنقاذ عند مواجهة العجز. ورغم أن المفهوم نشأ لتحليل المؤسسات في الاقتصادات الاشتراكية، فقد توسع استخدامه لاحقاً ليشمل الحكومات والاقتصادات الريعية التي تعتمد على موارد استثنائية توفر قدرة مستمرة على تمويل الالتزامات العامة.
ويعد الاقتصاد العراقي نموذجاً مناسباً لتحليل هذه الظاهرة، إذ شكلت الإيرادات النفطية لعقود المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة، في حين بقيت الإيرادات غير النفطية محدودة. وقد سمحت الوفرة النفطية خلال الأعوام (2021–2023) بتوسيع الإنفاق العام، ولا سيما الإنفاق التشغيلي، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية وصافي الأصول الأجنبية، مما وفر للحكومة هامشاً واسعاً للاستمرار في تمويل التزاماتها.
إلا أن التطورات منذ عام 2024 تشير إلى تغير تدريجي في هذه البيئة، إذ تراجعت الإيرادات النفطية مقارنة بسنوات الذروة، وانخفضت الاحتياطيات الأجنبية وصافي الأصول الأجنبية، بينما استمرت الالتزامات الحكومية عند مستويات مرتفعة. وهذا يثير تساؤلاً حول طبيعة التحول الذي تشهده المالية العامة العراقية، وليس فقط حول مستوى المؤشرات المالية منفردة.
ولا تفترض هذه الدراسة انتقال العراق إلى قيد موازنة صلب (Hard Budget Constraint)، لأن الأدلة التطبيقية لا تدعم هذا الاستنتاج، وإنما تقترح مفهوم تآكل قيد الموازنة الهش، بوصفه مرحلة انتقالية تبدأ فيها قدرة الموارد الريعية على تمويل الالتزامات الحكومية بالتراجع مقارنة بما كانت عليه خلال سنوات الوفرة، دون أن يعني ذلك فقدان الدولة لقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
تآكل قيد الموازنة الهش في العراق من وفرة الموارد إلى تقلص القدرة على التمويل. الدكتورة سهام يوسف

دكتوراه في الاقتصاد الدولي، المدرسة العليا للإحصاء والتخطيط، وارشو، بولندا. تقيم حالياً في المغرب


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية