د. سهام يوسف
المقدمة:
تكشف الصدمات الجيوسياسية المتلاحقة في منطقة الخليج، ولا سيما تلك المرتبطة بتقييد الممرات الإستراتيجية، أن التحدي الذي يواجهه الاقتصاد العراقي لا يقتصر على تقلبات ظرفية في بيئة خارجية مضطربة، بل يمتد إلى حدود قدرته الهيكلية على امتصاص الصدمات وإعادة التكيف معها. فالعراق لا يعمل ضمن اقتصاد مرن قادر على امتصاص الاختلال، بل ضمن بنية ريعية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاعتماد الأحادي على النفط، لتنتج نمطاً من الهشاشة المزمنة.
في هذا الإطار، تبرز المرونة الهيكلية بوصفها العامل الحاسم في تفسير تباين أثر الصدمات بين اقتصاديات العالم. فهي لا تُقاس بحجم الموارد، بل بقدرة الاقتصاد على إعادة توزيعها، وتخفيف أثر الصدمة، ومنع انتقالها المباشر إلى الداخل.
غير أن هذه القدرة في الحالة العراقية تظل محدودة بفعل اختلالات عميقة في بنية الاقتصاد الكلي، حيث توضح المؤشرات إلى أن الإيرادات النفطية تشكل أكثر من 90% من الإيرادات العامة ونحو 85% من الصادرات، في مقابل ضعف واضح في مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي والتشغيل, هذا الوضع لا يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات فحسب، بل يجعله عاجزًا عن مواجهتها عند حدوثها.
ولا يتوقف الأمر عند جانب الإيرادات، بل يمتد إلى طبيعة تكوين الاقتصاد نفسه كاقتصاد استهلاكي ممول ريعياً، حيث يعتمد جزء كبير من الطلب المحلي على الاستيراد، ما يعني أن كل دولار نفطي يدخل الاقتصاد ,يتدفق سريعاً للخارج لتمويل الواردات. وبهذا، لا تتراكم الثروة في شكل أصول إنتاجية، بل يعاد تدويرها في الاستهلاك، الأمر الذي يضعف الاقتصاد ويزيد من اعتماده على الخارج في توفير مايحتاجه من سلع وخدمات .
كما أن بنية التصدير تعكس بدورها محدودية في أدوات التكيف، إذ ترتبط الصادرات النفطية بممرات بحرية عالية المخاطر، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية. وفي ظل غياب بدائل تصديرية كافية، يفقد الاقتصاد القدرة على المناورة عند الأزمات، ليدخل في ما يمكن وصفه بحالة “الاختناق اللوجستي”، حيث لا تتحول الطاقة الإنتاجية إلى إيرادات فعلية.
هذه البيئة تجعل الاقتصاد العراقي عرضة لما يمكن تسميته بالصدمة المركبة، حيث تتزامن ثلاث قنوات ضغط رئيسية: صدمة في الإيرادات نتيجة تراجع الصادرات الفعلية، وصدمة في التكاليف بسبب ارتفاع النقل والتأمين، وصدمة في التوقعات تعكس تراجع الثقة بالاستقرار المالي. وتكمن خطورة هذا النوع من الصدمات في أنه يضرب الاقتصاد من عدة اتجاهات في وقت واحد، ويقلل من فعالية أدوات السياسة الاقتصادية التقليدية.
لمواصلة القراءة الرجاء الضغط على الرابط التالي:
الاقتصاد العراقي تحت الصدمات الجيوسياسية اختلال المرونة وهيمنة الريع النفطي الدكتورة سهام يوسف

دكتوراه في الاقتصاد الدولي، المدرسة العليا للإحصاء والتخطيط، وارشو، بولندا. تقيم حالياً في المغرب


الاراء المطروحة في جميع الدراسات والابحاث والمقالات المنشورة على موقع الشبكة لاتعكس بالضرورة وجهة نظر هيئة تحرير الموقع ولا تتحمل شبكة الاقتصاديين العراقيين المسؤولية العلمية والقانونية عن محتواها وانما المؤلف حصريا. لاينشر اي تعليق يتضمن اساءة شخصية الى المؤلف او عبارات الكراهية الى مكون اجتماعي وطائفة دينية أو الى اي شخصية أو مؤسسة رسمية او دينية